( فهو تعالى من حيث هو عالم أعم في التعلق من حيث ما هو مريد وقادر ) ، والحال أن كل اسم من هذه الأسماء ( هو ليس غيره ) ، فيصح أن يتعلق كل اسم بما تعلق به الآخر من حيث يتسمى به أو ينعت به ، وهذا التعلق وإن لم يظهر له بالفعل فهو له بالقوة ، وإذا كان ظهوره في الكل بالتساوي بالقوة مع التفاضل بالفعل ، ( فلا تعلمه يا وليّ هاهنا ) أي : فيما ظهر فيه على الكمال بالفعل ، ( وتجهله هاهنا ) أي : فيما لم يظهر فيه على الكمال بالفعل لكمال ظهوره فيه بالقوة ، فسبحه عند رؤية كل شيء ولا تقتصر على التسبيح في رؤية المظاهر الكاملة بالفعل ، كما قال :
فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ
[ الروم : 17 ] ، ( وتنفيه هاهنا ) أي : فيما لم يظهر فيه بالفعل على الكمال ( وتثبته هاهنا ) أي : فيما ظهر فيه بالفعل على الكمال ، فإنه من فعل عبدة الأصنام جعلوا بعض المظاهر الكاملة في زعمهم مستحقة للعبادة ( إلا أن أثبته ) في كذا أي : الأمور المتصفة بالصفات المعينة من الحياة والعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام ( بالوجه الذي أثبت نفسه ) بالظهور فيه .
( ونفيته عن كذا بالوجه الذي نفي نفسه ) ، وهو المستلزم لحدوثه كالحلول والاتحاد ، فتجمع بين إثباته ونفيه في هذه المظاهر ( كالآية الجامعة للنفي والإثبات ) أي :
لنفي التشبيه وإثباته ( في حقه ، حين قال :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
[ الشورى : 11 ] ، فنفي ) التشبيه باعتبار استقراره في مقر غيره ، والظهور بالإلهية في المظاهر
( وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ )
[ الشورى : 11 ] ، ( فأثبت ) التشبيه باعتبار ظهوره في المظاهر ( بصفة ) هي السمع والبصر ( تعم كل سامع وبصير من حيوان ) ، وإن استبعد ظهوره في مثل : الكلب والخنزير ، فلا نقص في إشراق الشمس عليهما .
ثم أشار إلى ظهوره بجميع الصفات في جميع المظاهر ، وإن كان في بعضها بالقوة فهو بمنزلة الفعل عند الكمّل ، فقال : ( وما ثم ) أي : في الواقع ( إلا حيوان ) ، وإن كان بعض الأشياء لا يسمى به ، بل يسمى بالنبات والجماد .
ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا يسمع صوت المؤذن حجر ، ولا شجر ، ولا مدر إلا شهد له يوم القيامة » « 1 » ، وقال تعالى :
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
[ الإسراء : 44 ] ، ( إلا أنه ) أي : كونه حيوان متصفا بالسمع والبصر ( بطن في الدنيا عن إدراك بعض الناس ) ؛ لقصور إدراكهم عن الأمور الكائنة بالقوة ، ( وظهر في الآخرة لكل الناس ) حتى تشهد لهم أو
هامش
( 1 ) سبق تخريجه .