أولى بالحق من عيسى عليه السّلام ، ( وهو ) أي : في ذلك الاسم ( الشهيد ) ، فقال :
وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
[ المائدة : 117 ] ، فجاء للدلالة على معنى العموم الذي فيه بكل للعموم ، وبشيء لكونه أنكر النكرات ؛ لنفي توهم الاختصاص من لفظ الرقيب ؛ ولذلك لم يذكر هذا الاسم هاهنا ، بل جاء بالاسم الشهيد الدال بالتصريح على العموم مع عموم متعلقه دفعا لما توهم من الاختصاص بالكلية ، ( فهو الشهيد على كل مشهود ) من الماديات وغيرها ، ( بحسب ما تقتضيه حقيقة ذلك المشهود ) ، فإن كانت حقيقته مادته احتاج شهودها بوجه إلى البصر ، فيشاهد ذلك باعتبار ظهوره في الماديات ، وإلا شهده في مستقر غيره مع أنه يشاهد الكل في مستقر غيره بوجه آخر غير هذا البصر الظاهر المختص بنوع إدراك ولا يلزم حدوثه فيه ؛ لأنه أيضا بواسطة بصره الذي قوة إدراك ذلك ، لكن بواسطة هذا البصر الظاهر ، كما توقف إدراك بصره بالفعل على وجود البصر .
ولما دل هذا على أن شهود الماديات بالبصر الظاهر شهود الحق فيه ( على أنه تعالى هو الشهيد على قوم عيسى ) بشهوده ، ( حين قال :
وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً )
[ المائدة :
117 ] ، وإن قيده بقوله :
ما دُمْتُ فِيهِمْ
[ المائدة : 117 ] ، مع أن شهادة الحق أبدية غير منقطعة ، ( فهي شهادة الحق إياهم في مادة عيسوية ) تنقطع بانقطاعها ، والتي لا تنقطع مع شهادته عليهم هي شهادته باعتبار استقراره في مقر غيره ، ولا تتعدى كون شهادة الحق في مادة عيسوية مع تنزه الحق عن المادة ، ( كما ثبت أنه لسانه وسمعه وبصره ) ، وإن تنزه عن الجسمية والقوى الجسمانية ، ولكنه يجوز أن يظهر فيها ظهور الشمس التي في السماء الرابعة في المرآة .
[ ثمّ قال كلمة عيسويّة ومحمّديّة : أمّا كونها عيسويّة فإنّها قول عيسى بإخبار اللّه تعالى عنه في كتابه ؛ وأمّا كونها محمّديّة فلموقعها من محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم بالمكان الّذي وقعت منه ، فقام بها ليلة كاملة يرددها لم يعدل إلى غيرها حتى مطلع الفجر
إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
[ المائدة : 118 ] ، « وهم » ضمير الغائب كما أنّ « هو » ضمير الغائب . كما قال :
هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا
[ الفتح : 25 ] بضمير الغائب ، فكان الغيب سترا لهم عمّا يراد بالمشهود الحاضر . فقال :
إِنْ تُعَذِّبْهُمْ
[ المائدة : 118 ] ، بضمير الغائب ، وهو عين الحجاب الّذي هم فيه عن الحقّ ، فذكّرهم اللّه قبل حضورهم حتّى إذا حضروا تكون الخميرة قد تحكّمت في العجين فصيّرته مثلها ،
فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ
[ المائدة :
118 ] ، فأفرد الخطاب للتّوحيد الّذي كانوا عليه .
ولا ذلّة أعظم من ذلّة العبيد ، لأنّهم لا تصرّف لهم في أنفسهم فهم بحكم ما