بلا واسطة ذلك ( من عنايته ) تعالى ( بهذا النوع الإنساني ) حيث باشر أول أفراده بيديه ، فجعله بذلك مستحقا للسجود ممن ليس له ذلك .
( فقال لمن أبى عن السجود له :
ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ
[ ص : 75 ] على من هو مثلك ) لم يرد به المثلية في مباشرة اليدين مع كونه عنصريّا ، بل ( يعني ) مثلا ( عنصريّا ) ، وإن اختلف العنصران الغالبان عليهما مكانا علوّا وسفلا ، يعني لو تجردت عنصريته عن مباشرة اليدين ، وكان عنصره أدنى مكانا من عنصرك لم يكن لك أن تتكبر عليه ، فكيف وقد فاق عليك بشرف مباشرة اليدين المضافين لطينته ؟
أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ
« 1 » [ ص : 75 ] عن العنصر ) الموجب للدنو المعارض لعلو مباشرة اليدين ، ( وليست ) ، فليعرف العالم الذي هو له النفس الإنسانية الذي للرب تعالى من حيث إن معرفة ظهورها فيه توجب معرفته تعالى .
[ فإنّه « من عرف نفسه ؛ فقد عرف ربّه » « 2 » الّذي ظهر فيه أي العالم ظهر في نفس الرّحمن الّذي نفّس اللّه تعالى به عن الأسماء الإلهيّة ما تجده من عدم ظهور آثارها ، فامتنّ على نفسه بما أوجده في نفسه ، فأوّل أثر للنّفس الرحماني إنّما كان في ذلك الجناب ثمّ لم يزل الأمر ينزل بتنفيس العموم إلى آخر ما وجد .
فالكل في عين النّفس * كالضّوء في ذات الغلس
والعلم بالبرهان في * سلخ النّهار لمن نعس
فيرى الّذي قد قلته * رؤيا تدلّ على النّفس
فيريحه من كلّ غمّ * في تلاوته عبس
ولقد تجلّى للّذي * قد جاء في طلب القبس
فإذا فهمت مقالتي * تعلم بأنك مبتئس
لو كان يطلب غيرنا * لرآه فيه وما نكس
وأمّا هذه الكلمة العيسويّة لمّا قام لها الحقّ في مقام « حتّى نعلم ويعلم » استفهم
هامش
( 1 ) العالون : هم الملائكة المهيمون والملائكة المقربون ، كجبريل وغيره من ملائكة العرش والكرسي ، قال المحققون : رسل الملائكة أفضل من عامة البشر ، فكل واحد من الإنسان والملائكة العالين فاضل ومفضول ؛ فالإنسان أفضل من الملائكة العالين من ذلك الوجه ، والعالون أفضل من الإنسان من حيث إنه لم تكن نشأتهم النورية عنصرية ( شرح القاشاني ص 223 ) .
( 2 ) سبق تخريجه .