[ فإنّ اللّه إذا سوّى الجسم الإنسانيّ كما قال :
فَإِذا سَوَّيْتُهُ
[ الحجر : 29 ] نفخ فيه هو تعالى من روحه ، فنسب الرّوح في كونه وعينه إليه تعالى ، وعيسى ليس كذلك ، فإنّه اندرجت تسوية جسمه وصورته البشريّة بالنّفخ الرّوحيّ ، وغيره كما ذكرناه لم يكن مثله ، فالموجودات كلّها كلمات اللّه الّتي لا تنفذ ، فإنّها عن
« كُنْ »
وكن كلمة اللّه ، فهل تنسب الكلمة إليه بحسب ما هو عليه فلا تعلم ماهيّتها أو ينزل هو تعالى إلى صورة من يقول :
كُنْ فَيَكُونُ
[ مريم : 35 ] قول كن لتلك الصّورة الّتي نزل إليها وظهر فيها ؟ فبعض العارفين يذهب إلى الطّرف الواحد ، وبعضهم إلى الطّرف الآخر ، وبعضهم يحار في الأمر ولا يدري ] .
( فإن اللّه إذا سوى الجسم الإنساني ، كما قال :
فَإِذا سَوَّيْتُهُ
[ الحجر : 29 ] ) ( نفخ فيه هو تعالى من روحه ) كما قال :
وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي
[ الحجر : 29 ] ، وفي عينه أي : في ثبوته في علمه إليه تعالى إذ لا واسطة بينهما بخلاف الجسم المسوى ؛ فإنه تتوقف تسويته على وسائط كثيرة فلا ينسب ( إليه تعالى ) باعتبار كونه ، ( وعيسى ليس كذلك ) أي : لم يتوقف نفخ الروح فيه على التسوية ، ولا على حصول الصورة الحسية ، ( فإنه اندرجت تسوية جسمه ) أي : اعتدال مزاجه ( وصورته الحسية ) التابعة لهذه التسوية ( بالنفخ الروحي ) ، فتوهم أن صورته الحسية وجسميته عين روحانيته ، وإن روحانيته لكونها فاعلة فعل الحق أو الملك عين الحق أو الملك ، فهو بصورته الحسية عين أحدهما ، ( وغيره كما ذكرناه لم يكن مثله ) في هذه الجسمية والصورة الحسية ، فلم يتوهم فيها ذلك ، وإن صح فيها أنها كلمة اللّه كما صح في الأرواح كلها ذلك .
( فالموجودات كلها كلمات اللّه ) بدليل أن اللّه تعالى وصفها بأنها التي ( لا تنفذ ) ، مع أن كلامه تعالى واحد لا ينفصل إلا بحسب تعلقه بالموجودات ، فلا تكون الكلمات التي لا تنفد سوى الموجودات التي لا تتناهى لا بمعنى أنها عين كلمته تعالى حتى تكون عين ذاته من وجه ، كما نقول في صفاته تعالى : إنها عين الذات من وجه ، بل بمعنى أنها حصلت عن كلماته ، ( فإنها عن قول :
( كُنْ ،
وكن كلمة اللّه ) إذ هي الكلمة الموجدة للموجودات كلها سواء صدرت عن اللّه أو عن مظهر من مظاهره ، فإذا صدرت عن بعض المظاهر ( فهل تنسب الكلمة إليه ) أي : إلى اللّه تعالى على أنها المعنى القائم بذاته ، وهو ( بحسب ما هو ) أي : الحق ( عليه ) من التنزيه ؛ لأنه إنما اعتبرت من حيث هي كلمة موجدة ، ولا تعلق للإيجاد باللفظ من حيث هو لفظ ، فتكون الكلمة صفة للحق تعالى .
( فلا تعلم ماهيتها ) كما لا تعلم ماهية صفات اللّه تعالى ، وهو سبب التحير المتوهم