الشخص بالدلائل المشوبة بالأوهام أم لا ، وبلغ ذلك الأمر حد الإلجاء أم لا .
وإذا كان كذلك ( فقصرت الهمم ) أي همم الرسل ، وإن لم يكن لهم عنها بد في الجملة ( عن طلب الأمور المعجزة لما لم يعم أثرها ) الكل ، وإن أثرت في الأكثر ( في الناظرين ) فضلا عن المعرضين ، فإن إلجائهم إلى الإقرار في الظاهر ، ( ولا ) يؤثر ( في قلوبهم ) كما في المنافقين ، وهذا القصور في تأثير الهمم لا يختص بالقاصرين بل يعم الكل أيضا .
[ كما قال في حقّ أكمل الرّسل وأعلم الخلق وأصدقهم في الحال
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ
[ القصص : 56 ] ولو كان للهمّة أثر ولا بد ، لم يكن أحد أكمل من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولا أعلى وأقوى همّة منه ، وما أثّرت في إسلام أبي طالب عمّه ، وفيه نزلت الآية الّتي ذكرناها ولذلك قال في الرّسول إنّه ما عليه إلّا البلاغ ، وقال تعالى :
لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ
[ البقرة : 272 ] ، وزاد في سورة القصص :
وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ
[ القصص : 56 ] أي بالّذين أعطوه العلم بهدايتهم في حال عدمهم بأعيانهم الثابتة فأثبت أنّ العلم تابع للمعلوم .
فمن كان مؤمنا في ثبوت عينه وحال عدمه ظهر بتلك الصّورة في حال وجوده ، وقد علم اللّه ذلك منه أنّه هكذا يكون ، فلذلك قال :
وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ
فلمّا قال مثل هذا قال أيضا :
ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ
لأنّ قولي على حدّ علمي في خلقي
وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
[ ق : 29 ] أي ما قدّرت عليهم الكفر الّذي يشقيهم ثمّ طلبتهم بما ليس في وسعهم أن يأتوا به ، بل ما عاملناهم إلّا بحسب ما علمناهم ، وما علمناهم إلّا بما أعطونا من نفوسهم ممّا هم عليه ، فإن كان ظلما فهم الظّالمون . ولذلك قال :
وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
[ الأعراف : 160 ] فما ظلمهم اللّه ] .
( كما قال تعالى في حق أكمل الرسل ) في أمر الرسالة الغالية لتصرف بها لإظهار المعجزات ، ( واعلم الخلق ) بكيفية تصرفات الهمم وموضعها ( وأصدقهم في الحال ) الموجبة تأثيرها على أكمل الوجوه
( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ )
فصرفت همتك إلى هدايته
( وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ
[ القصص : 56 ] ) بإفاضة نور الإيمان عليه ، ( ولو كان الهمة ) من الكمّل ( أثر ) في الكل ، ( ولا بدّ ) من تأثيرها ، ولو فيمن ينور اللّه قلبه بنور الإيمان ، ( لم يكن أحد أكمل من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ) ، ولا أعلى همة من حيث أثرت همته في إيمان أكثر سكان العالم ، ( ولا أعلى ) همة من حيث أثرت همته في شق القمر ، ( وأقوى همة منه ) حيث أثرت همته في إظهار دينه على الأديان كلها ، واستنزال معجزة باقية إلى الأبد