تعالى :
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ
[ عبس : 38 ] من السّفور وهو الظّهور ، كما كان الاصفرار في أوّل يوم ظهور علامة الشّقاء في قوم صالح ثمّ جاء في موازنة الاحمرار القائم بهم قوله تعالى في السعداء :
ضاحِكَةٌ
؛ فإنّ الضّحك من الأسباب المولّدة لاحمرار الوجوه ، فهي في السّعداء احمرار الوجنات .
ثمّ جعل في موازنة تغيّر بشرة الأشقياء بالسّواد قوله تعالى :
مُسْتَبْشِرَةٌ
[ عبس :
39 ] ، وهو ما أثره السّرور في بشرتهم كما أثر السّواد في بشرة الأشقياء ، ولهذا قال في الفريقين بالبشرى ، أي : يقول لهم قولا يؤثّر في بشرتهم فيعدل بها إلى لون لم تكن البشرة تتّصف به قبل هذا ؛ فقال تعالى في حقّ السعداء :
يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ
[ التوبة : 21 ] ، وقال في حقّ الأشقياء :
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ
[ التوبة :
34 ] ؛ فأثّر في بشرة كلّ طائفة ما حصل في نفوسهم من أثر هذا الكلام ، فما ظهر عليهم في ظواهرهم إلّا حكم ما استقرّ في بواطنهم من المفهوم ، فما أثّر فيهم سواهم كما لم يكن التّكوين إلّا منهم ، فللّه الحجّة البالغة ] .
( فأول يوم من الثلاثة اصفرت وجوه القوم ) تقليلا للبياض الدال على السعادة ؛ فهو كالأصفر ، ( وفي اليوم الثاني احمرت ) توسيطا بين البياض والسواد ، فهو كالأوسط ، ( وفي الثالث اسودت ) كلها لغاية البعد عن البياض إلى ضده ، فهو كالأكبر ، ( فلمّا كملت ) الأيام ( الثلاثة ) بهذه الأسرار الموجبة للشقاوة كالأجزاء الدليل ، ( صحّ الاستعداد ) لإيجاد الشقاوة لفيضان النتيجة بعد كمال الدليل ، ( فطهر كون ) أي : وجود ( الفساد فيهم ) بعد كمونة في الأيام باعتبار تضمنها أسراره ككمون النتيجة في الدليل الاقتراني الذي هو الأصل .
( فسمي ذلك الظهور هلاكا ) ، وإن كان إيجاد الشقاوة لما هلك به ما كان يتوهم فيهم من استعداد السعادة بالنظر إلى أن نفس الإنسان قابلة للأمرين كليهما السعادة والشقاوة في نظر العقل ؛ فلذلك كان كل تكوين من تكوينات الشقاوة في مقابلة تكوينات السعادة التي تبدلت بها ، ( فكان اصفرار وجوه الأشقياء ) من قوم صالح بنقص البياض ( في موازنة ) أي : مقابلة ( إسفار وجوه السعداء ) بزيادة البياض وهو المذكور ( في قوله تعالى :
يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ
[ عبس : 38 ] ) من حيث اشتراك الأسفار والاصفرار في إظهار أمر لم يكن ظاهرا أصلا إذ الأسفار ( من السفور وهو الظهور ) ، لكن الأسفار ظهور علامة السعادة بزيادة البياض في وجوه السعداء ، وهي أول علاماتها ( كما كان الاصفرار في أول يوم ظهور علامة الشقاء ) بنقص البياض ( في قوم صالح ، ثم جاء في موازنة الاحمرار القائم بهم ) أي : بقوم صالح في اليوم الثاني ، ( قوله تعالى في ) حق ( السعداء
ضاحِكَةٌ
) للملازمة