وهذا هو المعقول في نفس الأمر كما يقول الآمر الّذي يخاف فلا يعصى لعبده قم فيقوم العبد امتثالا لأمر سيّده . فليس للسّيّد في قيام هذا العبد سوى أمره له بالقيام ، والقيام من فعل العبد لا من فعل السّيّد ، فقام أصل التّكوين على التّثليث أي من الثّلاثة من الجانبين ، من جانب الحقّ ومن جانب الخلق ] .
( ثم ظهرت الفردية الثلاثية في ذلك الشيء ) أي : العين الثابتة له أيضا ، لتتم مناسبته للحضرة الإلهية التي منها وجد ، وكيف لا ؟ ولذلك الشيء فاعلية في نفسه ، فلذلك نقول ( بها ) أي : بتلك الفردية الظاهرة ( من جهته ) أي : جهة ذلك الشيء ( صح تكوينه ) أي :
تكوين ذلك الشيء وهو أي : ذلك التكوين لا بمعنى إعطاء الوجود ( بل اتصافه بالوجود ) وذلك لأن التكوين لو أريد به إعطاء الوجود فقد حصل ذلك بالإرادة والأمر ، وما بقي إلّا كون ذلك الشيء يأخذ وصف الوجود ويقتله بالفعل .
ثم أشار إلى أجزاء هذه الفردية لمغايرتها أجزاء الفردية الأولى ، فقال : ( وهي ) أي :
الفردية الظاهرة من جهة ذلك الشيء ( شيئيته ) ، وهو ثبوته في العلم ( وسماعه ) لأمر ربه ، ( وامتثاله أمر مكونه بالإيجاد ) أي : بأن يوجد نفسه ويصفها به ، وفيه إشارة إلى أنه مكون بالأمر والإرادة لا بأنه موصوف بالتكوين ، وهو مذهب الأشعري وسنصرّح به .
ثم أشار إلى مناسبة أجزاء هذه الفردية لأجزاء تلك الفردية بعد تناسبها بالثلاثية ، فقال : ( فقابل ) ذلك الشيء ( ثلاثة ) من جهته ( بثلاثة ) من جهة الحضرة الإلهية ( ذاته ) ، أي :
عينه ( الثابتة ) في العلم الأزلي ، جعلها الذات باعتبار كون الوجود صفتها ، وإن كانت ( في حال عدمها في موازنة ) ، أي : مقابلة ( ذات موجدها ) من حيث إنّ لها أيضا صفات ، وإن تفاوتا بما لا يحصى ، ( وسماعه ) من حيث إنه منشأ الامتثال كالإرادة منشأ الأمر ( في موازنة إرادة موجوده ) ، وإن كان يسبق إلى الأوهام جعل السماع في مقابلة الأمر إلّا أن مقابلة الأمر بالامتثال ، ولذلك قابل ( قبوله ) ما أعطاه من تكوين نفسه ( بالامتثال لما أمره به من التكوين في موازنة قوله :
كُنْ )
« 1 » ؛ لأنه من جانب الحق بمنزلة مباشرة العمل بعد الإرادة منا ، والامتثال لأمر التكوين مباشرة من المأمور للتكوين ، فلمّا امتثل أمر مكونه بالتكوين ،
هامش
( 1 ) قال الشيخ في الفتوحات في الباب 310 : وكُنْحرف وجودي ، فإنه لو أنه كائن ما قيل له كن ، وهذه الممكنات في هذا البرزخ بما هي عليه ، وما يكون إذا كانت مما يتصف به من الأحوال ، والأعراض ، والصفات ، والكون والعجب من الأشاعرة كيف تنكر على من يقول : إن المعدوم شيء في حالة عدمه وله عين ثابتة ، ثم بطر على تلك العين الوجود ، ومن هذه الحضرة علم الحق نفسه ، فعلم العالم وعلمه له بنفسه أزلا ، فإن التجلي أزلا وتعلق علمه بالعالم أزلا على ما يكون العالم عليه أبدا مهما لبس حالة الوجود لا يزيد الحق علما ، ولا يستفيد رؤية - تعالى اللّه عن الزيادة في نفسه والاستفادة ، انتهى .