الفصّ الإبراهيمي فص حكمة مهيّميّة في كلمة إبراهيمية « 1 »
أي : ما يتزين به ، ويكمل العلم اليقيني المتعلق بالهيمان ظهر بزينته وكماله في الحقيقة الجامعة المنسوبة إلى إبراهيم عليه السّلام لبلوغه مبلغا لا يدري أنه يخلل إبراهيم حضرات صفات الرب ، فصار الرب ظاهره متصفا بصفاته المحدثة باعتبار ظهوره فيه ، أو تخلل الحق صفات إبراهيم فصار إبراهيم ظاهره متصفا بما يناسب صفاته القديمة ، هذا كله باعتبار الصفات الظاهرة فقط ، فجعل تارة للحق ، وتارة لإبراهيم .
[ إنّما سمّي الخليل خليلا لتخلّله وحصره جميع ما اتّصفت به الذّات الإلهيّة ؛ قال الشاعر : قد تخلّلت مسلك الرّوح منّي وبه سمّي الخليل خليلا كما يتخلّل اللّون المتلوّن ، فيكون العرض بحيث جوهره ما هو كالمكان والمتمكّن ، ولتخلّل الحقّ وجود صورة إبراهيم عليه السلام . وكلّ حكم يصحّ من ذلك ، فإنّ لكلّ حكم موطنا يظهر به لا يتعدّاه .
ألا ترى الحقّ يظهر بصفات المحدثات ، وأخبر بذلك عن نفسه ، وبصفات النّقص وبصفات الذّمّ ؟ ألا ترى المخلوق يظهر بصفات الحقّ من أوّلها إلى آخرها وكلّها حقّ له ، كما أنّ صفات المحدثات حقّ للحقّ ] .
وأما ظهور الذات مع جميع الصفات فمختص بنبينا عليه السّلام فسمي لذلك حبيبا من حبه القلبي الجامع لسر الروح والنفس ، فهو إشارة إلى جمعيته للكل ، ولما اقتضت هذه الجمعية غاية الظهور لاستغراقها وجوه الظهور خفيت ؛ ولذلك لم ينص الحق تعالى في كتابه على كونه حبيبا بل أشار إليه بقوله :
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ
[ آل عمران : 31 ] ، وقد نص على كون إبراهيم عليه السّلام خليلا فقال :
وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا
[ النساء : 125 ] ، وإلى ما ذكرنا في معنى الخلة أشار بقوله : ( إنما سمي الخليل خليلا ) أي :
سمي إبراهيم خليل اللّه ؛ ( لتخلله ) أي : لجعله صفاته غير ممتازة عن صفات الحق عند ظهور الحق بصفات إبراهيم حين أخفى إبراهيم صفاته في صفات الحق ( وحصره ) أي إبراهيم ( جميع ما اتصفت به الذات الإلهية ) باعتبار ظهوره في مظاهر العالم ، وإلا فللحق صفات
هامش
( 1 ) الهيمان شدة العشق ، وهو صفة تقتضي عدم انحياز صاحبها إلى جهة بعينها - بل إلى المحبوب في أيّة جهة كان ، لا على التعيين - وعدم امتياز صاحبها بصفة مخصوصة تقيده . [ نقد النصوص في شرح نقش الفصوص للجامي ص 98 ] .