تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤
لكونه من أرباب الوصول ( على السابق ) بالخيرات ، وهو المقتصر على الأعمال الصالحة ، ( والمقتصد ) وهو السائر في الأقوال والمقامات التي هي الطريقة دعا له نوح عليه السّلام بطريق الإشارة ألا يزيده اللّه
( إِلَّا ضَلالًا
[ نوح : 24 ] ) فسره بطريق الإشارة بقوله : ( إلا حيرة ) أراد المحمودة وهي حيرة من كوشف بالأسرار الإلهية التي لا مثال لها في عالم المحسوسات والمعقولات ، والمذمومة حيرة من غلط في الاعتقاد أو العمل ، وهي عين الضلال وليست مطلوبة للكمل ، وإنما يطلبون أو يطلب لهم الحيرة المحمودة كما طلبها الداعي ( المحمدي ) بقوله : ( رب زدني فيك تحيرا » « 1 » ) . ثم ذكر أن هذه الحيرة المحمودة كما فهمت بطريق الإشارة من الحيرة المذمومة من الآية المذكورة فهمت أيضا بطريق الإشارة من الآية الواردة في حق المنافقين بطريق العبارة لبيان حيرتهم المذمومة ، أعني : قوله تعالى :
( كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ
[ البقرة : 20 ] ) ، أي : لأهل الكشف عن مقامات الحق وأسراره في مقام البقاء
( مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ
[ البقرة : 20 ] ) ، بالفناء التام
( قامُوا
[ البقرة : 20 ] ) ، هذا الطريق الإشارة ، ومعناها بطريق العبارة كلما أضاء للمنافقين عن نور الإيمان مشوا فيه ، وإذا أظلم عليهم بظلمات الشبهات قاموا وسكنوا عن المشي في الإيمان وارتدوا . [ فالحائر له الدّور والحركة الدّوريّة حول القطب فلا يبرح منه ، وصاحب الطّريق المستطيل مانل خارج عن المقصود طالب ما هو فيه صاحب خيال إليه غايته : فله من وإلى وما بينهما ، وصاحب الحركة الدّوريّة لا بدء له فيلزمه « من » ، ولا غاية لكماله فتحكم عليه « إلى » ، فله الوجود الأتمّ وهو المؤتيّ جوامع الكلم والحكم ،
مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ
[ نوح : 25 ] ، فهي الّتي خطت بهم فغرقوا في بحار العلم باللّه وهو الحيرة ،
فَأُدْخِلُوا ناراً
[ نوح : 25 ] في عين الماء ، في المحمّديّين :
وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ
[ التكوير : 6 ] من سجّرت التّنّور إذا أوقدته ،
فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصاراً
[ نوح : 25 ] فكان اللّه عين أنصارهم فهلكوا فيه إلى الأبد ، فلو أخرجهم إلى السّيف ، سيف الطّبيعة لنزل بهم عن هذه الدّرجة الرّفيعة ، وإن كان الكلّ للّه وباللّه بل هو اللّه ،
وَقالَ نُوحٌ رَبِّ
ما قال إلهي : فإنّ الرّبّ له الثّبوت والإله يتنوّع بالأسماء فهو
كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ
[ الرحمن : 29 ] ؛ فأراد بالرّب ثبوت التّلوين إذ لا يصح إلّا هو ،
لا
هامش
( 1 ) ذكره ابن عجيبة في « إيقاظ الهمم » ( 1 / 181 ) .