فلهذا انقسم النّاس إلى عالم وغير عالم ، وولده وهو ما أنتجه لهم نظرهم الفكريّ .
والأمر موقوف علمه على المشاهدة بعيد عن نتائج الفكر
إِلَّا خَساراً
[ نوح :
21 ] ،
فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ
[ البقرة : 16 ] فزال عنهم ما كان في أيديهم ممّا كانوا يتخيّلون أنّه ملك لهم : وهو في المحمّديين ،
وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ
[ الحديد : 7 ] ، وفي نوح
أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا
[ الإسراء : 2 ] ، فأثبت الملك لهم والوكالة للّه فيه ، فهم مستخلفون فيهم فالملك للّه ، وهو وكيلهم ، فالملك لهم وذلك ملك الاستخلاف .
وبهذا كان الحقّ ( مالك الملك ) ، كما قال التّرمذيّ ،
وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً
[ نوح : 22 ] ؛ لأنّ الدّعوة إلى اللّه مكر بالمدعوّ ؛ لأنّه ما عدم من البداية فيدعى إلى الغاية
أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ
فهذا عين المكر
عَلى بَصِيرَةٍ
[ يوسف : 108 ] فنبّه أنّ الأمر له كلّه ، فأجابوه مكرا كما دعاهم مكرا ، فجاء المحمّديّ ، وعلم أنّ الدّعوة إلى اللّه ما هي من حيث هويّته ، وإنّما هي من حيث أسمائه ، فقال :
يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً
[ مريم : 85 ] ، فجاء بحرف الغاية ، وقرنها بالاسم ، فعرفنا أنّ العالم كان تحت حيطة اسم إلهيّ أوجب عليهم أن يكونوا متّقين ، فقالوا في مكرهم :
وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً
[ نوح : 23 ] ، فإنّهم إذا تركوهم جهلوا من الحقّ على قدر ما تركوا من هؤلاء ؛ فإنّه للحقّ في كلّ موجود وجها يعرفه من عرفه ويجهله من جهله ، وفي المحمّديين :
وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ
[ الإسراء : 23 ] ؛ فالعالم يعلم من عبد ] .
( ولهذا قال محمد صلّى اللّه عليه وسلّم عن نفسه : إنه أوتي جوامع الكلم ) « 1 » جمع بلفظ واحد بين التنزيه والتشبيه والظهور والبطون ، وإذا كان محمد أوتي جوامع الكلم ، ( فما دعا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم قومه ليلا ونهارا ) على سبيل التفرقة بين الظاهر والباطن ، ( بل دعاهم ليلا في نهار ) فإن الباطن ، إنما عرف بظهوره في الأرواح والعقول ، فصار ظاهرا ( ونهارا في ليل ) ، فإن الظاهر إذا تم ظهوره خفي فصار باطنا على أن الظهور في المظاهر موجب ؛ لتقيد صوره بتلك المظاهر فهي حاجبه عن حقيقة الذات .
ولما أمرهم نوح عليه السّلام بطلب الستر عن المحسوسات ، وعدهم على ذلك حصول
هامش
( 1 ) رواه البخاري ( 6 / 2573 ) ، ومسلم ( 1 / 372 ) .