وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
[ الأنفال : 17 ] ، وكقوله : « جعت فلم تطعمني ، ومرضت فلم تعدني » « 1 » ، وكقوله : « كنت سمعه وبصره » « 2 » ، وكحديث التحول في الصور يوم القيامة .
بل إنما يجب نفي التشبيه الموجب لكونه جسما أو عرضا ، أو ما في حكمهما كاعتقاد أهل الشرك والمشبهة ، ( فالمنزّه ) أي : القائل بالتنزيه المطلق ( إما جاهل ) بما له من الصفات الوجودية كالمعتزلة والفلاسفة ، أو بظهوره في المظاهر كعامة المتكلمين ، ( وإما صاحب سوء أدب ) يعرف صفاته الوجودية ، وظهوره من ظواهر النصوص لكنه يقتصر في الاعتقاد ، أو القول على التنزيه المحض كمن يقتصر في اعتقاد السلطان ، أو مدحه له أنه ليس بكلب ، ولا فأرة ، ولا حمار .
ولذلك ضم المحققون إلى قوله :
سُبْحانَ اللَّهِ
[ الصافات : 159 ] ، قول :
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
[ الصافات : 182 ] ، أو
بِحَمْدِهِ
[ الإسراء : 52 ] .
ثم أشار إلى أن الجهل والإساءة لا يفضيان إلى الكفر إذا لم ينضم إلى أحدهما إنكار الشرائع الواردة بإثبات الصفات الوجودية ، أو بالظهور .
فقال : ( ولكن إذا أطلقاه ) أي : اعتقد إطلاق التنزيه ، ( وقالا به ) أي : اقتصرا عليه في الذكر بأن قالا : سبحان اللّه فقط ؛ فلا يخلوا ، إما أن يقولا : بالشرائع مع التأويل أو بإنكارهما مطلقا ( فالقائل بالشرائع ) : وإن أولها على خلاف الواقع ، ولو من وجه المؤمن كالمعتزلة ، وكالفلاسفة لو لم يقولوا : بقدم العالم ، ونفي حشر الأجساد ، ونفي العلم بالحوادث الجزئية ممن يعترف بالشرائع ، ويأولها بخلاف منكريها ، فإنهم كفرة ، ولظهور أمرهم لم يتعرض لهم .
ثم القائل بالشرائع ، وإن قلنا بإيمانه فإيمانه ناقص ؛ لأنه ( إذا نزّه ، ووقف عند التنزيه ) في المدح ، ( ولم ير غير ذلك ) في الاعتقاد ، وفيه إشعار بأن المنزه إذا لم يقف عنده ، ولم يكن يرى غيره بل أثبت الصفات الوجودية ، وظهوره في المظاهر فهو كامل الإيمان ليس داخلا في قوله : ( فقد أساء الأدب ) بالاقتصار على الصفات السلبية ، وإثبات الغير مع اللّه من كل وجه مع الإجماع على نفي الضد عنه ، ( وأكذب الحق والرسل ) فيما ورد في الصفات الوجودية والظهورية ، وإن أول تأويلها غير مطابق للواقع ، ولو من وجه ، ( وهو لا يشعر ) بتكذيبه لتأويله ، ( ويتخيل أنه ) بتأويله ( في ) الاعتقاد ( الحاصل ) مطابقته للواقع ، ( وهو في ) الاعتقاد ( الغائب ) « 3 » المطابقة ، وإن طابق باعتبار ذاته لكن لا يطابق باعتبار
هامش
( 1 ) رواه ابن حبان ( 2 / 24 ) ، والبيهقي في « شعب الإيمان » ( 19 / 177 ) .
( 2 ) سبق تخريجه .
( 3 ) في نسخة : « الفائت » .