وبعضها جبرئيلية من مقام سدرة المنتهى .
هكذا إلى آخر أجناس هذه الأصول الروحانية المختصّة بإسماعيل صاحب سماء الدنيا ، المعبّر عنه عند حكماء المشائيين بالعقل الفعّال ، كما مرّ .
والوجه الآخر من جهة مظاهرها المثالية ، فإن الأرواح على اختلاف مراتبها لا تخلو عند جميع المحققين عن مظاهر تتعين وتظهر بها ، وأول مظاهر أرواح الأناسي ما عدا الكمّل عالم المثال المطلق .
والصور الخيالية وإن كانت مواد انتشائها لطائف قوى هذه النشأة الطبيعية ، وجواهرها المطهّرة والمزكات المكتسية صفات الأرواح ، فإن صفاتها وأحوالها في الجنة إنما تظهر بحسب روحانيتها وقواها ، وخواص مظاهرها المثالية .
ومنازل أهل الجنة مظاهر مراتب الأرواح من حيث مكاناتها عند الحق ، ومن حيث مظاهرها المثالية الأولى ، وقد نبّه النبي صلى اللّه عليه وسلم على ذلك بإشارات لطيفة ، مثل قوله عليه السّلام :
« يا علي إن قصرك في الجنة في مقابلة قصري » ، وفي رواية : « في محاذاة قصري » .
وقال في حق العباس قريبا من ذلك .
وقال في حق جمهور المؤمنين : « لأحدكم أهدى إلى منزله في الجنة منه إلى منزله في الدّنيا « 1 » » ، وليس هذا لا من حكم المناسبة .
وأما سوق الجنة المشتمل على الصور الإنسانية المستحسنة ، التي يتخير أهل الجنة التلبّس بما شاءوا منها ، فمن بعض جداول عالم المثال المطلق الذي هو معدن المظاهر وينبوعها ، وهو مجرى المدد الواصل من عالم المثال إلى مظاهر أرواح أهل الجنة ، ومنشأ مآكلهم ومشاربهم وملابسهم ، وكل ما يتنعمون به في أراضي مراتب أعمالهم واعتقاداتهم وأخلاقهم وصفاتهم ودرجات اعتدالاتهم في ذلك كله .
وأما الخلع والتحف التي تأتي بها الملائكة من عند الحق إلى جمهور أهل الجنة حال حملهم إيّاهم إلى كثيب الرؤية ؛ لزيارة الحق ومجالسته هي مظاهر أحكام الأسماء
هامش
( 1 ) رواه البيهقي في الشعب ( 1 / 304 ) ، والطبري في التفسير ( 24 / 36 ) .