الأوامر ، وتتبع مراضي الحق ، والقيام بحقوقه بقدر الاستطاعة ، كما أشار إليه صلى اللّه عليه وسلم في جواب عمه أبي طالب حين قال له : ما أسرع ربك إلى هواك يا محمد ، لما رأى من سرعة إجابة الحق له فيما يدعوه فيه .
وجاء في رواية أخرى أنه قال له : ما أطوع ربك لك ، فقال له النبي صلى اللّه عليه وسلم : « وأنت يا عم إن أطعته أطاعك « 1 » » . وهذا المقام الذي قلت أنه فوق هذا راجع إلى كمال موافاة العبد من حيث حقيقته لما يريده الحق منه بالإرادة الأولى الكلية المتعلقة بحصول كمال الجلاء والاستجلاء ، فإنه الموجب لإيجاد العالم ، والإنسان الكامل الذي هو العين المقصودة للّه على التعيين ، وكل ما سواه فمقصود بطريق التبعية له وبسببه من جهة أن ما لا يوصل إلى المطلوب إلا به فهو مطلوب ، فهذا هو المراد من قولي : ( فمقصود بطريق التبعية ) .
وإنما كان الإنسان الكامل هو المراد بعينه دون غيره من أجل أنه مجلى تام للحق ، يظهر الحق به من حيث ذاته ، وجميع أسمائه وصفاته وأحكامه واعتباراته على نحو ما يعلم نفسه بنفسه في نفسه ، وما ينطوي عليه من أسمائه وصفاته ، وسائر ما أشرت إليه من الأحكام والاعتبارات ، وحقائق معلوماته التي في أعيان مكنوناته دون تغيير يوجبه نقص القبول ، وخلل في مرآتيته يفضي بعدم ظهور ما ينطبع فيه على خلاف ما هو عليه في نفسه .
فإن من كان هذا شأنه لا يكون له إرادة ممتازة عن إرادة الحق ، بل هو مرآة إرادة ربه وغيرها من الصفات ، وحينئذ يستهلك دعاؤه في إرادته التي لا تغاير إرادة ربه ، فيقع ما يريد كما قال تعالى :
فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ
[ البروج : 16 ] .
ومن تحقق بما ذكرناه فإنه إن دعا فإنما يدعو بألسنة العالمين ومراتبهم من كونه مرآة لجميعهم ، كما أنه متى ترك الدعاء إنما يتركه من حيث كونه مجلى للحق ، باعتبار أحد وجهيه الذي يلي الجناب الإلهي ، ولا يغايره من كونه :
فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ
.
وليس وراء هذا المقام مرمى لرام ، ولا مرقى لراق إلى مرتبة ولا مقام ، ودونه المتوجه إلى الحق بمعرفة تامة وتصور صحيح ، المقصود بخطاب قوله :
هامش
( 1 ) رواه الحاكم في المستدرك ( 1 / 727 ) .