وفي هذا المشهد : يسلب الحق ، تعالى ، العالم ، ما ألبسهم من حلل الدعاوى الكاذبة ، المشعرة بوجود موجود سواه . فإذا تعروا عن ذلك ، تجلت أنواره في الموجودات ، بغير حلول ، ولا مزج ، ولا شائبة نقص ، بل بحكم الوحدة الإلهية ، التي هو عليها منذ كان .
يطلع العبد على هذا المنظر ، بعد أن تسلب عنه عبديته ، وموجوديته ، فيكون ما لا يدخل في العبارة . فهو يدرك ما يدرك ، بلا وجود له ، ولا إدراك ، وهذا في العقل محال .
وقد وجدناه : ذوقا ، وعيانا ، وحقا ، وحقيقة ،
فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ
[ الكهف : 29 ] .
آفة هذا المنظر في حق العبد : انعدام الأسماء والصفات عنده ، فلا يشهدها ، وهو حجاب .
* * *
منظر ( الإبهام )
هو عبارة عن : تجلّ إلهي يشهدك الحق ، تعالى ، فيه ، أسراره المودعة في مخلوقاته . ويطلعك على تداخل الأسماء والصفات : كيف يفضل بعضها بعضا من وجه ، ثم يصير الفاضل مفضولا من وجه . وكيف يثبت النفي ، وينفي الإثبات ، في مسألة واحدة ، من وجه واحد ، ومن وجوه مختلفة . ويطلعك على العلوم اللدنية ، كحقائق العالم ، فتشهدها من الغيب الإلهي ، في الكينونة العلمية ، من حيث أعيانها الثابتة . ثم تشهد طمسا ، تحت نور الأحدية ، في ذلك المقام ، وتنعدم عنك الأعيان الثابتة بالكلية . فينبهم الأمر عليك في سائر أمورك كلها ، حتى لا تكاد تنفذ أمرا من أمورك ، ولا تعمل عملا من الأعمال . لأنك ترى الشيء ونقيضه ، فتحكم في المسألة الواحدة ، من وجه واحد ، بحكم أنت حاكم فيها بنقيضه . وقد تتوقف ، لتناقض الأمور عندك ، فلا تستطيع الثناء ، ولا الذم ، ولا يمكنك النفي ، ولا الإثبات ، وهو مقام من مقامات الحيرة .
آفة هذا المنظر : هو الحيرة الطارئة عليك ، من انبهام الأمر لأن الكمال الإلهي منزّه عن ذلك ، وصفة العارف صفة معروفة ، فالحائر محجوب .
* * *