آفة هذا المنظر : هو شهودك للخلق مع شهود الحق ، لأنك إنما تشهده في مظاهره الخلقية ، فلا بد من شهود المظهر متميزا ، ولا وجود لشيء سواه .
ومن هذا المنظر ، ينتقل إلى منظر الوجود ، ترتيبا إلهيا ، فيما يتعرف به إلى أوليائه .
* * *
منظر ( الوجود )
يتجلى الحق تعالى في هذا المنظر بأعيان المظاهر . فيكون عين الظاهر ، وعين المظهر ، وهذا أول مجالي الصفة الواحدية ، لا يشهد صاحب هذا المنظر ، لشيء في العالم وجودا البتة . فلا يبقى للحادثات عنده أثر .
وهذا المنظر ، لا تعمل للعبد فيه ، بل بمحض الجذبات الإلهية . ومن ثم قال الجنيد ، رحمه اللّه تعالى : « المحدث إذا قورن بالقديم لم يبق له أثر » . فأتى بصيغة « قورن » ليصرف فعل المقارنة إلى اللّه تعالى ، تنبيها إلى أن ذلك راجع إلى الجذبات الإلهية . فمتى كان للعبد فيه تعمل ، فليس هو في هذا المشهد .
وفي هذا المنظر ، ينفتح على الداخل فيه ، علوم تنوعات التجلي . ويكشف له عن العالم كله ، تجلّ في تجلّ ، ليس شيء غير ذلك ، ويكون عنده من العلوم : علم التحول في الصور ، وعلم توحيد الوجود ، وعلم المقادير . فلا يرى على أحد مما يصدر منه ، ويطلع في هذا المنظر على السر الذي عبدت به المخلوقات من دون اللّه .
فلا يخطئ رأي أحد ، بل يتصوب عنده جميع أعمال الثقلين من الإنس والجن أجمعين .
وفي هذا المشهد ، يطلع على السر الإلهي ، الذي يكون شافعا ، لمن شاء اللّه تعالى ، من عبدة الأوثان ، والمشركين ، وغيرهم من أهل النحل والملل الماضية .
فيحصلون في حقيقة الإيمان ، قبل الموت ، أو بعده ، ويحشرون في زمرة الموحدين ، وهو سر قوله تعالى :
يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
[ الزّمر : 53 ] .