يناقض طبع كلّ منهما ؛ فطلب من الجان ، الذي أصله الكبر ، أن يتواضع ، فيسجد ؛ وطلب من الإنسان ، الذي أصله يقتضي التغذّي بالحبّة ، أن يتركها . فأظهر لكلّ منهما ما يناقض مقتضى طبعه ، مخالفا ؛ ليظهر بذلك شرف الحبيب - وهو الإنسان - ونقص البغيض ، وهو العدو الشيطان .
امتثل الأمر فيما يشقيه . يعني : أن إبليس خالف الحقّ فيما يسعده - حيث أمره اللّه بالسجود ولم يسجد - وامتثل الأمر من اللّه فيما يشقيه ، حيث قال اللّه تعالى له :
وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ
[ الإسراء : 64 ] الآية ، فأطاع ذلك ، ولم يعص .
وحلّ به . أي إبليس . ما كان يتقيه ؛ من الذّلّة والبعد عن اللّه . لأنه ما ترك السجود لآدم ، إلا بسبب أمرين : أحدهما ، لئلا يسجد لغير اللّه ، فيبعده عنه من أجل ذلك ؛ والثاني ، لئلا تحلّ به المذلّة ، فحلّ به الأمران جميعا ، بالخلاف لأمر اللّه .
فهو ، والجن : يحالف الرّدى ، ويخالف الهدى ، ولا يترك سدى .
يحالف - الأولى - بالحاء المهملة ، من المحالفة ؛ وهي القسم بعدم الخلاف .
ويخالف الثانية ، بالخاء المعجمة ، من الخلاف . وتقديره : أنه ملازم للردى كأنه حلف ألا يفارق ما يكون سببا للبلاء ؛ وجاء بخلاف ما هو سبب للهدى .
ومع اتصافه بالخوف ، لا يبرح في معاملته بالحيف . يعني : أن طبع الجنّ ، الميل والانحراف إلى الغيّ ؛ فلو قدّر أنه يخاف من اللّه ، لا يبرح يحيف في معاملته له ، ولا يقصد سواء السبيل ، لأن المخالفة من طبعه الذي هو عليه .
فإذا جنح منهم من جنح إلى ربّه طائعا ، وكان لباب سعادته قارعا . لم يحسن أحد منا قرعه ، وكان الحقّ بصره وسمعه . يعني : الجنّ ، إذا اتفق أن يرغب أحد منهم إلى ربّه ، وخالف ما يقتضيه الطبع الناري من المعصية ، والطبع الهوائي من عدم الثبوت على أمر ، فأطاع وثبت على الطاعة ؛ يخرق في سرادق الحجب ، لأنه روحانيّ لا كثافة فيه . فلأجل ذلك ، لم يستطع أحد من الإنس أن يبلغ بجسمه ، ما يبلغه ذلك الجنّيّ الكامل المطيع .
إن سمع أنصت . لأنه روح ، إذا توجّه للشيء ، توجّه فيه بالكلية . ألا تراهم أنصتوا للحقّ ، لما سمعوه ؛ فقال قائلهم :
إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً
[ الجنّ : 1 ] ولهذا قال صلى اللّه عليه وسلم : « هم أسمع وأنصت منكم » . ألا تراهم لما سمعوا قوله تعالى :
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
( 13 ) [ الرّحمن : 13 ] . قالوا : ولا بشيء من آلاء ربّنا نكذّب .