الظاهرة فيه ، من تجليات الحق تعالى . وعن الجسم عبّر بقوله : كلمة الحق . يعني :
أنه نتيجة كلمة
كُنْ
[ النّحل : 40 ] لأن الأرواح متعيّنة في العلم الإلهي ، فهي هناك أعيان ثابتة ، قديمة بقدم الحقّ .
والجسم ، هذا المحسوس ، إنما ظهر بواسطة الكلمة ، على ما كانت الروح عليها من الصورة في العلم الإلهي . فكان الجسم أصلا - من هذا الوجه - لظهور أعيان الممكنات ، إذ هو المتعلّق به كلمة الحضرة ، لكونه أتمّ المجالي ظهورا في المراتب الكونية .
ومن ثمّ ، كان الجسم : مقعد الصدق . لأنه محل ثابت متمكّن بيّن من كل وجه ، وبكل اعتبار ونسبة . ومعدن الإرفاق . وكان الجسم معدن الإرفاق ، وهي المعاني الكمالية التي تحصل للأرواح بسبب الجسم . . وقد ذكرنا ذلك في كتابنا الموسوم « بكشف الستور عن مخدرات النور » فمن أراد معرفة ذلك ، فليطالع هنالك .
ولما كان الجسم هو المتجلّي بجارحة السمع والبصر ، قال الشيخ مشيرا إلى ذلك : ومظهر الأوفاق . يعني : الجسم مظهر للصفات ، الموافقة لنعوت الحق تعالى ، من السمع والبصر ؛ إلى غير ذلك من القبضة ، واليمين ، والتبشّش ، والتعجّب ، والنسيان في قوله تعالى :
فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ
[ الأعراف : 51 ] ، والنّفس في قوله صلى اللّه عليه وسلم : « لا تسبّوا الريح فإنها من نفس الرحمن » « 1 » ، والصورة في قوله عليه الصلاة والسلام :
« رأيت ربي في صورة شاب . . الحديث » « 2 » ، والذراع كما في قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث : « إن جلد الكافر أربعين ذراعا بذراع الجبار » « 3 » .
فكلّ هذه الصفات ، هي للجسم حقيقة . وقد وافقت ما هو للّه ، سواء أوّلتها في حق اللّه تعالى ، أم لم تأوّل . لأن الشارع صلى اللّه عليه وسلم ، قد نسبها إليه تعالى ؛ فكان الجسم محلا لظهور الأمور الموافقة للنعوت الكمالية .
فالجسم : محل البركات . لتزايد الظهور . في مرتبته ، ولكونه يحصّل للروح - بواسطة الامتزاج به - علوما ، لا يمكنها أن تعرفها إلا بالجسم . فهو محل البركة
هامش
( 1 ) رواه الحاكم في المستدرك ، حديث رقم ( 3075 ) [ ج 2 ص 298 ] ، وابن ماجة في سننه ، باب النهي عن الاضطجاع على الوجه ، حديث رقم ( 10766 ) [ ج 6 ص 230 ] ورواه غيرهما .
( 2 ) هذا الحديث سبق تخريجه .
( 3 ) رواه الحاكم في المستدرك ، حديث رقم ( 8760 ) [ ج 4 ص 637 ] وابن حبان في صحيحه ، حديث رقم ( 7486 ) [ ج 16 ص 531 ] . ورواه غيرهما .