الدعوى ، فجرى عليه ، ما جرى غيره من الحقائق على الحقائق ؛ لئلا يدّعي هذا المقام من ليس له ذلك . ولو كان متحقّقا بذلك كمال التحقّق ، كما كان عليه غيره من الكمّل المذكورين ، لامتنع بحقّ صفات الربوبية عن تلك القتلة ، كما امتنع غيره . .
فكان الحلّاج على بيّنة من اللّه ، ولو لم يكن له شاهد تلك البيّنة ؛ وكان من ذكرناهم من الكمّل ، على بيّنة من اللّه ، ويتلوه شاهد منه .
ولهذا ، قال اللّه تعالى :
إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ
[ لقمان : 19 ] يريد بذلك ، كناية عن حال المريد إذا تكلّم قبل أوان الكلام ؛ وفي المثل السائر عند الامتحان يعزّ المرء أو يهان . فلكل مقام مقال ، لا يصح دعوى المتكلّم عن ذلك ، إلا إذا تمكّن فيه .
فلو كان الحلّاج رضي اللّه عنه ، واجد الحقيقة ، ما قال غير متمكّن بالحال ؛ فتعجّل وتكلّم ، ولو تأمّل في قوله تعالى لنبيه الكريم عليه الصلاة والسلام :
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ
[ القيامة : 16 ] الآية ، لكان ، كغيره من الكمّل الذين قال اللّه في حقّهم :
لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ
[ الأنبياء : 27 ] الآية فالكامل يعمل بأمر اللّه ، كلّ ما يعلمه اللّه ، والعارف يعمل باللّه مطلقا ؛ لا يعلم هذا الأمر المخصوص - الذي يتوجّه من الحقّ إلا الكامل - إلا إذا كان عارفا كاملا ، وإلا فهو محجوب عنه .
ولما كان الوليّ فاعلا باللّه ، لتحقّق ذاته بمعنى صفاته ؛ كان
بِسْمِ اللَّهِ
[ الفاتحة : 1 ] منه ، بمنزله
كُنْ
[ النّحل : 40 ] من اللّه . إذا قارنت ذلك منه حركة إرادية لصدور ما يريد في الخارج ، كما أن كلمة
كُنْ
[ النّحل : 40 ] من الحقّ مقارنة لإرادته ما يكون على الوجه المخصوص المراد .
ولهذا ، قال الشيخ رضي اللّه عنه : فخذ التكوين عنه . الضمير في « عنه » راجع إلى اسم اللّه المذكور في البسملة ، والمراد : خذ علم كيفية التكوين ، عن اللّه المكوّن ؛ فقل للشيء
كُنْ
[ النّحل : 40 ] فيكون ، كما هو القائل تعالى لكل شيء .
وعن ذلك عبّر بقوله : فمن تقوّى جأشه ، أي قلبه ؛ واستدار عرشه ، باستوائه بذاته على عرش أسمائه وصفاته ؛ وتمهّد فرشه ، بتمكنه من التحقّق ، صورة ومعنى ؛ فظهر أثر اسم باطنه على ظاهره ، فكان لجسمه جميع ما هو لروحه - التي لها ما للحقّ تعالى - كان متصرّفا في العالم ، تكوّن الأشياء بكلمته لها
كُنْ
[ النّحل : 40 ] كرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، قال كن ، ولم يبسمل ؛ فكان ، ولم يحوقل .