مقدمة المحقق
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
الحمد للّه الذي شرف خلاصة عباده بوراثة صفوة خير عباده ، وأمدهم بالعناية ، فأحسنوا لذاته العبادة ، وحفظوا شريعته وبلغوها عباده ، وأشهد أن لا إله إلا اللّه الملك البر الرحيم ، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله النبيّ الكريم ، صلى اللّه عليه وعلى آله وأصحابه .
[ وجه تسمية الصوفية بهذا الاسم ]
أما بعد : فإن الصوفية سموا بهذا الاسم نسبة إلى ظاهر اللبسة لأنهم اختاروا لبس الصوف ؛ لكونه لباس الأنبياء ، والصالحين من عباد اللّه .
قال الحسن البصري : لقد أدركت سبعين بدريا كان لباسهم الصوف . فالقول بأنهم سموا « صوفية » للبسهم الصوف أقرب إلى التواضع ، وإنباء عن تقللهم من الدنيا ، وزهدهم فيما تدعو النفس إليه من الملبوس الناعم ، حتى أنّ المبتدي الذي يؤثر لم يقهم ويجب الدخول في أمرهم يوطن نفسه على التقشف والتقلل .
وآية هؤلاء الصوفية المتابعة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في كل شيء . قال اللّه تعالى :
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ
وهؤلاء أشد الناس حبا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فكانوا أشدهم متابعة له .
قيل لعبد الرحمن بن زيد : من الصوفية عندك ؟ قال : القائمون بعقولهم على فهم السنة ، والعاكفون عليها بقلوبهم ، والمعتصمون بسيدهم من شر نفوسهم هم الصوفية .
وكان الجنيد يقول : علمنا هذا مشتبك بحديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم .
وقال بعضهم : من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة ومن أمر الهوى على نفسه قولا وفعلا نطق بالبدعة .
ثم إن الإيمان بطريق الصوفية أصل كبير . قال الجنيد : الإيمان بطريقنا هذا ولاية .
ووجه هذا أن الصوفية تميزوا بأحوال عزيزة ، وآثار مستغربة عند أكثر الخلق ، فلا يؤمن بطريقهم إلّا من خصه اللّه تعالى بمزيد عنايته .
وأعني بأصحاب هذه الأحوال أهل الاقتداء برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الذين جعلوه حكما في كل أحوالهم ، وأما غيرهم فليسوا من الصوفية بشيء ، بل هم من أهل البدع