شيء في الوجود إلا وقد عبد شيئا من العالم ، إلا المحمديون فإنهم عبدوه من حيث الإطلاق بغير تقييد بشيء من أجزاء المحدثات ، فقد عبدوه من حيث الجميع ثم تنزّهت عبادتهم عن تعلقهم بوجه دون وجه من باطن وظاهر ، فكان طريقهم صراط اللّه إلى ذاته ، فلهذا فازوا بدرجة القرب من أوّل قدم ، فهؤلاء الذين أشار إليهم الحق بقوله :
أولئك ينادون
مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ
« 1 » بخلاف من عبده من حيث الجهة وقيده بمظهر كالطبائع أو كالكواكب أو كالوثن أو غيرهم ، فإنهم المشار إليهم بقوله :
أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ
لأنهم لا يرجعون إليه إلا من حيث ذلك المظهر الذي عبدوه من حيث هو ولا يظهر عليهم في غيره ، وذلك عين البعد الذي نودوا إليه من حيث هو ، وبعد الوصول إلى المنزل يتحد من نودي من قريب ومن نودي من بعيد فافهم .
وأما الثنيوية فإنهم عبدوه من حيث نفسه تعالى ، لأنه تعالى جمع الأضداد بنفسه ، فشمل المراتب الحقية والمراتب الخلقية ، وظهر في الوصفين بالحكمين ، وظهر في الدارين بالنعتين ؛ فما كان منسوبا إلى الحقيقة الحقية فهو الظاهر في الأنوار ، وما كان منسوبا إلى الحقيقة الخلقية فهو عبارة عن الظلمة ، فعبدوا النور والظلمة لهذا السرّ الإلهي الجامع للوصفين وللضدّين والاعتبارين والحكمين كيف شئت من أيّ حكم شئت ، فإنه سبحانه يجمعه وضده بنفسه ، فالثنوية عبدوه من حيث هذه اللطيفة الإلهية مما يقتضيه في نفسه سبحانه وتعالى ، فهو المسمى بالحق وهو المسمى بالخلق ، فهو النور والظلمة .
وأما المجوس فإنهم عبدوه من حيث الأحدية ، فكما أن الأحدية مفنية لجميع المراتب والأسماء والأوصاف ، كذلك النار فإنها أقوى الاستقصات وأرفعها ، فإنها مفنية لجميع الطبائع بمحاذاتها ، لا تقاربها طبيعة إلا وتستحيل إلى النارية لغلبة قوتها ، فكذلك الأحدية لا يقابلها اسم ولا وصف إلا ويندرج فيها ويضمحلّ ، فلهذه اللطيفة عبدوا النار وحقيقتها ذاته تعالى .
واعلم أن الهيولي قبل ظهورها في ركن من أركان الطبائع التي هي النار والماء والهواء والتراب لها أن تلبس صورة أي ركن شاءت ، وأما بعد ظهورها في ركن من الأركان فلا يمكنها أن تخلع تلك الصورة وتلبس غيرها ، فكذلك الأسماء
هامش
( 1 ) آية ( 44 ) سورة فصلت .