تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل — صفحة 253

مساهمون:

ص٢٥٣
بحاله ومقاله وفعاله ، بل بذاته وصفاته ، فكلّ شيء في الوجود مطيع للّه تعالى ، لقوله تعالى للسموات والأرض
ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ، قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ
« 1 » وليس المراد بالسموات إلا أهلها ، ولا بالأرض إلا سكانها ، وقال تعالى :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
« 2 » ثم شهد لهم النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم أنهم يعبدونه بقوله : « كلّ ميسر لما خلق له » « 3 » لأن الجنّ والإنس مخلوقون لعبادته وهم ميسرون لما خلقوا له ، فهم عباد اللّه بالضرورة ، ولكن تختلف العبادات لاختلاف مقتضيات الأسماء والصفات ، لأن اللّه تعالى متجلّ باسمه المضلّ كما هو متجلّ باسمه الهادي ، فكما يجب ظهور أثر اسمه المنعم ، كذلك يجب ظهور أثر اسمه المنتقم . واختلف الناس في أحوالهم لاختلاف أرباب الأسماء والصفات ، قال اللّه تعالى :
كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً
« 4 » يعني عباد اللّه مجبولين على طاعته من حيث الفطرة الأصلية ،
فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ
ليعبده من اتبع الرسل من حيث اسمه الهادي ، وليعبده من يخالف الرسل من حيث اسمه المضلّ ، فاختلف الناس وافترقت الملل وظهرت النحل ، وذهبت كلّ طائفة إلى ما علمته أنه صواب ، ولو كان ذلك العلم عند غيرها خطأ ، ولكن حسنه اللّه عندها ليعبدوه من الجهة التي تقتضيها تلك الصفة المؤثرة في ذلك الأمر ، وهذا معنى قوله :
ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها
« 5 » فهو الفاعل بهم على حسب ما يريده مراده ، وهو عين ما اقتضته صفاته ، فهو سبحانه وتعالى يجزيهم على حسب مقتضى أسمائه وصفاته ، فلا ينفعه إقرار أحد بربوبيته ولا يضرّه جحود أحد بذلك ، بل هو سبحانه وتعالى يتصرّف فيهم على ما هو مستحقّ لذلك من تنوّع عباداته التي تنبغي لكماله ، فكل من في الوجود عابد للّه تعالى ، مطيع لقوله تعالى :
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ، وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ
« 6 » لأن من تسبيحهم ما يسمى مخالفة ومعصية وجحودا وغير ذلك ، فلا يفقهه كلّ أحد ، ثم إنّ النفي إنما وقع على الجملة ، فصحّ أن يفقهه البعض فقوله :
وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ
يعني من حيث الجملة ، فيجوز أن يفقهه بعضهم . ثم اعلم أن اللّه تعالى لما أوجد هذا الوجود ، وأنزل آدم من الجنة ، وكان آدم
هامش
( 1 ) آية ( 11 ) سورة فصلت . ( 2 ) آية ( 56 ) سورة الذاريات . ( 3 ) مسلم في : القدر ( 9 ) ، وأبو داود ( 4709 ) ، والترمذي ( 3111 ) ، وابن ماجة ( 78 و 91 ) . ( 4 ) آية ( 213 ) سورة البقرة . ( 5 ) آية ( 56 ) سورة هود . ( 6 ) آية ( 44 ) سورة الإسراء .
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل — صفحة 253 | عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي / ابو عبد الرحمن صلاح بن محمد بن عويضة