وقصدنا الاختصار ، لا التطويل والإكثار ، فلنرجع إلى ما كنا بسبيله من الكلام في الفكر .
اعلم أن اللّه خلق الفكر المحمدي من نور اسمه الهادي الرشيد ، وتجلى عليه باسمه المبدىء المعيد ، ثم نظر إليه بعين الباعت الشهيد ، فلما حوى الفكر أسرار هذه الأسماء الحسنى ، وظهر بين العالم بلباس هذه الصفات العليا ، خلق اللّه من فكر محمد صلّى اللّه عليه وسلم أرواح ملائكة السماوات والأرض ، ووكلهم بحفظ الأسافل والأعالي ، فلا تزال العوالم محفوظة ما دامت بهذه الملائكة ملحوظة ، فإذا وصل الأجل المعلوم وآن أوان الأمر المحتوم ، قبض اللّه أرواح هذه الملائكة ونقلهم إلى عالم الغيب بذلك القبض ، فالتحق الأمر بعضه ببعض وسقطت السماوات بما فيها على الأرض ، وانتقل الأمر إلى الآخرة كما ينتقل إلى المعاني أمر الألفاظ الظاهرة ، فافهم هذه الإشارات ، وفكّ لغز هذه العبارات ، تحظ بالأسرار المكتومة ، وترفع حجب الأستار الموهومة ؛ فإذا اطلعت على هذه الأسرار ، وسرت في ضياء هذه الأنوار ، صنها تحت كتم العبارات ، واحفظها تحت ختم الإشارات ولا تفشها ، فالإفشاء خيانة ، ومن فعل ذلك فقد حرم ثواب استلزام الأمانة ، ورجع إلى مرتبة العوالم بعد أن كاد يبلغ الملائكة الكرام . هذا على أن إفشاءه لا يزيد السامع إلا ضلالا ، ولا يفيد المخاطب إلا تقييدا واعتلالا
وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
.
الباب السابع والخمسون : في الخيال وأنه هيولي جميع العوالم
إن الخيال حياة روح العالم * هو أصل تيك وأصله ابن الآدم
ليس الوجود سوى خيال عند من * يدري الخيال بقدرة المتعاظم
فالحسّ قبل بدوّه لمخيل * لك وهو أن يمضي كحلم النائم
فكذاك حال ظهوره في حسّنا * باق على أصل له بتلازم
لا تغترر بالحس فهو مخيل * وكذلك المعنى وكل العالم
وكذلك الملكوت والجبروت وال * لاهوت والناسوت عند العالم
لا تحقرن قدر الخيال فإنه * عين الحقيقة للوجود الحاكم
لكنما أصل الخيال جميعه * قسمان هذا عند كشف الصارم