معرفة اللّه به فإنه لا يخطئ ، ولهذا متى قلنا بأن اللّه لا يدرك بالعقل أردنا به عقل المعاش ، ومتى قلنا أنه يعرف بالعقل أردنا به العقل الأول ، فلهذا قال اللّه تعالى :
قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ : الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ ساهُونَ
وإنما قتلوا لقطعهم بما خرصوه وحكمهم على الأمر بأنه على ذلك فهلكوا ، لأنهم قطعوا بما يهلكهم ويطمس على أنوارهم فقتلوا ، وهم القاتلون لأنفسهم إذا خرصوا عليها بانتفاء بدنها وقطعوا عليها أن لا حياة لها بعد مماتهم ، ثم عاندوا المخبر الصادق الذي يجرهم إلى سعادتهم فلم يؤمنوا به ، فلهذا هلكوا وقتلوا ، وما أهلكهم إلا أنفسهم ، وما قتلهم إلا ما هم عليه ، فافهم .
ثم اعلم أن العقل الأول والقلم الأعلى نور واحد فنسبته إلى العبد يسمى العقل الأول ، ونسبته إلى الحق يسمى القلم الأعلى . ثم إن العقل الأول المنسوب إلى محمد صلّى اللّه عليه وسلم خلق اللّه جبريل عليه السلام منه في الأزل ، فكان محمد صلّى اللّه عليه وسلم أبا لجبريل وأصلا لجميع العالم ، فاعلم إن كنت ممن يعلم فديت من يعقل فديت من يفهم ، ولهذا وقف عنه جبريل في إسرائه وتقدم وحده ، وسمي العقل الأول بالروح الأمين لأنه خزانة علم اللّه وأمينه ، ويسمى بهذا الاسم جبريل من تسمية الفرع باسم أصله فافهم واللّه أعلم .
الباب الرابع والخمسون : في الوهم وأنه محتد عزرائيل عليه السلام من محمد صلّى اللّه عليه وسلم
وفيه قال رحمه اللّه :
نور على الملكوت فوق الأطلس * بالوهم عبر عنه بين الأنفس
هو آية الرحمن أعني صورة * فيها تجلى بالجمال الإكيس
هو قهره هو علمه هو حكمه * هو ذاته هو كلّ شيء أرأس
هو فعله هو وصفه هو اسمه * هو منه مجلى كلّ محسن أنفس
هو نقطة الخال الذي قد عبروا * بيمينه عنه لمن لم يخنس
ويمينها القسم الذي هو قشره * ستر على الحوراء مثل السندس
فاختر ولا تحتر فما هي دهشة * لكنها مثل الظلام الحندس
خلق اللّه وهم محمد صلّى اللّه عليه وسلم من نور اسمه الكامل ، وخلق اللّه عزرائيل من نور