فاعذرني
ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ
« 1 » مما وجدتك في نفسي فبلغت الأمر ونصحتهم ليجدوا إليك في أنفسهم سبيلا ، فأظهرت لهم الحقيقة الإلهية في ذلك ليظهر ما في أنفسهم ، وما كان قولي لهم إلا
أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ
ولم أخصص نفسي بالحقيقة الإلهية ، بل أطلقت ذلك في جميعهم فأعلمتهم بأنه كما أنك ربي بمعنى الحقيقة ، أنت ربي بمعنى حقيقتهم . وكان العلم الذي جاء به عيسى زيادة على ما في التوراة هو سرّ الربوبية والقدرة فأظهره ولهذا كفر قومه ، لأن إفشاء سرّ الربوبية كفر ، فلو ستر عيسى هذا العلم وبلغه إلى قومه في قشور وعبارات وسطور إشارات ما فعله نبينا لكان قومه لم يضلوا من بعده ، ولما كان يحتاج في كمال الدين من بعد ذلك إن علم الألوهية والذات اللذين جاء بهما النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم في الفرقان والقرآن ، وقد سبق الحديث عليهما من حيث الذات والصفات ، وقد جمع اللّه له ذلك في آية واحدة وهي :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
« 2 » فليس كمثله شيء مما يتعلق بالذات ، وهو السميع البصير مما يتعلق بالصفات ، ولو بلغ موسى ما بلغه عيسى إلى قومه لكان قومه يتهمونه في قتل فرعون ، فإنه قال :
أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى
« 3 » وما يعطي إفشاء سرّ الربوبية إلا ما ادعاه فرعون ، لكنه لما يكن ذلك لفرعون بطريق التحقيق قاتله موسى وانتصر عليه ، فلو أظهر موسى شيئا من علم الربوبية في التوراة لكفر به قومه واتهموه في مقاتلة فرعون ، فأمره اللّه بكتم ذلك كما أمر نبينا محمدا صلّى اللّه عليه وسلم بكتم أشياء مما لا يسعه غيره للحديث المروي عنه صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « أوتيت ليلة أسري بي ثلاثة علوم ، فعلم أخذ علي في كتمه ، وعلم خيرت في تبليعه ، وعلم أمرت بتبليغه » . فالعلم الذي أمر بتبليغه هو علم الشرائع ، والعلم الذي خير في تبليغه هو علم الحقائق ، والعلم الذي أخذ عليه في كتمه هو الأسرار الإلهية . ولقد أودع اللّه جميع ذلك في القرآن ، فالذي أمر بتبليغه ظاهر ، والذي خير في تبليغه باطن لقوله :
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ
« 4 » وقوله :
وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ
وقوله :
وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ
« 5 » وقوله :
وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي
« 6 » فإن جميع ذلك له وجه يدلّ على الحقائق ، ووجه يتعلق بالشرائع ،
هامش
( 1 ) آية ( 117 ) سورة المائدة .
( 2 ) آية ( 24 ) سورة النازعات .
( 3 ) آية ( 13 ) سورة الجاثية .
( 4 ) آية ( 11 ) سورة الشورى .
( 5 ) آية ( 53 ) سورة فصلت .
( 6 ) آية ( 29 ) سورة الحجر .