ولما كان اعتبار البطون والظهور بالوحدة يحصل فيه للعقل تردد وهو استيفاؤه كيف يكون الأمر باطنه ظاهره وظاهره باطنه ، وما فائدة التقسيم بالظاهر والباطن فيه ، فللنفس في هذه المسألة إما تردد وإما إنكار ، فلهذا أكده الحق بلفظة « إن » فقال لموسى : « إنه هو » يعني أن الأحدية الباطنة المشار إليها بالهوية هي الإنية الظاهرة المشار إليها بلفظة أنا ، فلا تزعم أن بينهما تغايرا أو انفصالا أو انفكاكا بوجه ، ثم فسر الأمر بالبدلية وهو العلم الذاتي أعني اسم اللّه إشارة إلى ما تقتضيه الألوهية من الجمع والشمول ، لأنه لما قال إن بطونه وغيبه عين ظهوره وشهادته نبه على أن ذلك من حقيقة ما هو عليه اللّه ، فإن الألوهية في نفسها تقتضي شمول النقيضين وجميع الضدّين بحكم الأحدية وعدم التغاير في نفس حصول المغايرة ، وهذه مسألة حيرة ، ثم الجملة بقوله :
لا إِلهَ إِلَّا أَنَا
يعني الإلهية المعبودية ليست إلا أنا ، فأنا الظاهر في تلك الأوثان والأفلاك والطبائع ، وفي كل ما يعبده أهل كل ملة ونحلة ، فما تلك الآلهة كلها إلا أنا . ولهذا أثبت لهم لفظة الآلهة وتسميته لهم بهذه اللفظة من جهة ما هم عليه في الحقيقة تسمية حقيقية لا مجازية ، ولا كما يزعم أهل الظاهر أن الحق إنما أراد بذلك من حيث إنهم سموهم آلهة ، لا من حيث إنهم في أنفسهم لهم هذه التسمية ، وهذا غلط منهم وافتراء على الحق ، لأن هذه الأشياء كلها بل جميع ما في الوجود له من جهة ذات اللّه تعالى في الحقيقة هذه التسمية تسمية حقيقية ، لأن الحق سبحانه وتعالى عين الأشياء وتسميتها بالإلهية تسمية حقيقية ، لا كما يزعم المقلد من أهل الحجاب أنها تسمية مجازية ، ولو كان كذلك لكان الكلام أن تلك الحجارة والكواكب والطبائع والأشياء التي تعبدونها ليست بآلهة ، وأن لا إله إلا اللّه أنا فاعبدوني ، لكنه إنما أراد الحق أن يبين لهم أن تلك الآلهة مظاهر ، وأن حكم الألوهية فيهم حقيقة ، وأنهم ما عبدوا في جميع ذلك إلا هو ، فقال :
لا إِلهَ إِلَّا أَنَا
« 1 » أي : ما ثم ما يطلق عليه اسم الإله إلا وهو أنا ، فما في العالم ما يعبد غيري وكيف يعبدون غيري وأنا خلقتهم ليعبدوني ولا يكون إلا ما خلقتهم له قال عليه الصلاة والسلام في هذا المقام : « كل ميسر لما خلق له » « 2 » أي : لعباده الحق لأن
هامش
( 1 ) آية ( 14 ) سورة طه .
( 2 ) مسلم في : القدر : ب ( 1 ) : حديث ( 9 ) ، وأبو داود ( 4709 ) والترمذي ( 3111 ) ، وابن ماجة ( 78 و 91 ) .