ما هو أشدّ من النار ، ومع ذلك يجدون منه مع كونه عذابا غاية العذوبة .
قال سيدنا العارف أبو يزيد البسطامي في هذا المعنى :
وكلّ مآربي قد نلت منها * سوى ملذوذ وجدي بالعذاب
ولهذا شواهد محسوسة لا تنكر ، منها شأن أهل الحروب ، فإن الواحد منهم عند توقّدها تجده يشقّ الصفوف ، وتتساقط عليه نيرانها ، وعنده من اللذّة ما لا يقدر قدره ، ولو كشف له حال من هو على سريره بين خدمه ، وحشمه في رياض لطيفة تجري من تحتها الأنهار ، وهو محروم من هذه الشجاعة ، لا يرضى بحالته قولا واحدا ، ويبقى على ما هو عليه ، ويستأنس لهذا المذكور من مآل أهل النار بقوله تعالى :
يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ
[ مريم : 45 ] ، حيث لم يقل : من المنتقم ، فإن في هذا العذاب شائبة من الرحمة .
فالحاصل : أن العذاب والخلود في النار لأهل النار أمر محقّق لا يمكن العدول عنه ؛ لأن العدول عنه كفر صريح ، وإن حضرة العارف رضي اللّه عنه استنبط هذا من القرآن العظيم ؛ إلا أنه من بعد ألوف سنين ، وأخذ الاسم المنتقم حقّه من الكفرة ، تغلب الرحمة ، ويأتي الاسم الرحيم ؛ فيجعل العذاب حينئذ على أهل النار من حيث إنهم خالدون فيها عذبا ، والتمثيل قد مرّ ، ونزيده بيانا بالتمثيل بحال من يحكّ جربا ببدنه ، فهذا وإن كان لذيذا ؛ إلا أن الهيئة هيئة عذاب ، نسأل اللّه السلامة والأمان .
فلم يكن في كلامه رضي اللّه عنه بهذا الشأن أدنى إشكال ، فكيف يكون هذا ، والاستشهاد عليه من رقائق القرآن وأسراره ؟ نعم هي خفيّة على القارئ ، فإنه ليس للقارئ إلا التلاوة ، واللّه أعلم .