وقال صلى اللّه عليه وسلم : « أصبت شيئا أو أخطأت شيئا » « 1 » ، وهذا مما لا نزاع فيه ، قال تعالى :
إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ
[ يوسف : 43 ] .
وأمّا وقوع نفس المرئي : فتارة يكون ، وهو أندر من كل نادر في الوقوع ، وتارة يكون بسبب تعبير معبر أخذه على ظاهره ، وذلك كما وقع لبقي بن مخلد حين رأى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يسقيه لبنا ، فعبره بظاهره ، ولم يتجاوزه إلى المراد منه ؛ وهو الدين والعلم ، فسقي لبنا ؛ ولكان علما إذا عبره .
كما قال صلى اللّه عليه وسلم في ذلك : « فأعطيت فضلي عمر » « 2 » ، فعلم من هنا أن كل رؤيا لها تعبير .
كما قال تعالى :
إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ
[ يوسف : 43 ] ، وقال تعالى :
هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا
[ يوسف : 100 ] ، وقال تعالى :
قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ
[ يوسف : 41 ] .
ولا شكّ أن حضرة الخليل عليه السّلام يعلم ذلك كله قطعا ، ولّما كان في التعبير صرف الأشياء عن الظاهر ، ونفس المرئي هو الأصل ؛ أخذ عليه السّلام بظاهر ما رأى حيث لم يكن التعبير من لوازم الرؤيا بأمر إلهي ، وكان هذا اجتهادا منه كما قاله هذا الحبر : وأدبا وامتثالا .
وقول الشيخ القاري : إن رؤيا الأنبياء وحي لا يعارض التعبير ، فإنه صلى اللّه عليه وسلم عبر رؤياه مرارا ، وقوله : إن الأنبياء لا يخطئون باجتهادهم ، وإذا وقع ذلك منهم ، لم يقروا عليه ، بل ينبّههم تعالى عليه .
هامش
( 1 ) ذكره ابن حجر في « فتح الباري » ( 6 / 256 ) بنحوه .
( 2 ) رواه البخاري ( 6 / 2571 ) ، والترمذي ( 5 / 619 ) ، وأحمد ( 2 / 130 ) .