للّه الذي أبدلك بخوفك أمنا ، وأعطاك ما تتمنى ، قال فأنشد يقول :
فساروا بلا خوف إلى خيف أمنهم * فلما أناخوا في منى بلغوا المنى
تمنوا فأعطاهم مناهم وصانهم * بتوبته الخلصا عن الفحش والخنا
وسامح عن كل الذنوب التي جرت * وما اجترح العبد المسىء وما جنى
أدار عليهم ساقى القوم خمرة * فنادوا من الساقي فقال لهم أنا
أنا اللّه فادعوني أنا اللّه ربكم * لي المجد والعلياء والملك والسنا
قال مالك : ثم قلت له : باللّه عليك أطلعنى على أمرك كيف كان ؟ فقال : ما كان إلا خيرا دعاني بفضله ، فأجبته ، وأعطاني كل ما منه طلبته ، وأنشأ يقول :
ولما دعاني قلت أهلا ومرحبا * بوصلك ما أحلى هواك وأعذبا
وحقك أنت السؤل والقصد والمنى * وإن لا منى فيك العذول وأطنبا
فقلبي ما اشتاق الأراك لأجله * ولا أرض نعمان ولا الحيف أو قبا
كذاك النقا والبان والجزع واللوا * بهم إن حدا الحادي وغنى وأطربا
وإن عرضوا يوما بسعدى وزينب * فما اشتقت سعدى لا ولا رمت زينبا
لئن ذكرت تلك المنازل سادتي * فقصدى دون الكل ساكنة الخبا
قال مالك : ثم عاد إلى طوافه وتركني ومضى ، فلم أره ولم أجد له خبرا .
( الحكاية الثالثة والستون : عن بعض الصالحين )
قال : حججت سنة من السنين ، وكانت سنة كثيرة الحر والسموم ، فلما كان ذات يوم وقد توسطنا أرض الحجاز ، انقطعت عن الحاج ، وغفوت قليلا فلم أشعر إلا وأنا وحدى في البرية فلاح لي شخص أمامى ، فأسرعت إليه فلحقته ، وإذا به غلام أمرد لا نبات بعارضيه ، كأنه القمر المنير أو الشمس الضاحية ، وعليه أثر الدلال والترف ، فقالت له : السلام عليك يا غلام ، فقال : وعليك السلام ورحمة اللّه وبركاته يا إبراهيم ، فعجبت منه كل العجب ، ورابني أمره ، فلم أتمالك أن قلت له :
يا سبحان اللّه من أين عرفتني ولم ترني قبلها ، فقال لي : يا إبراهيم ما جهلت مذ عرفت ولا قطعت مذ وصلت ، فقلت له : ما الذي أوقفك في هذه البرية في مثل