( الحكاية الخامسة والسبعون بعد الأربع مئة عن بعض الصالحات )
حكى أن بعض الصالحات وهي شعوانة رضى اللّه تعالى عنها رزقت ولدا ، فربته أحسن تربية ، فلما كبر ونشأ قال لها : سألتك باللّه يا أماه إلا ما وهبتنى للّه سبحانه وتعالى فقالت يا بنىّ إنه لا يصلح أن يهدى للملوك والرؤساء إلا أهل الأدب والتقى ، وأنت يا ولدى غرّ لا تعرف ما يراد بك ، ولم يأن لك ذلك ، فأمسك عنها ولم يقل لها شيئا فلما كان ذات يوم خرج إلى الجبل ليحتطب ومعه دابة له ، فلما توسط الجبل نزل عن الدابة وأقبل يحتطب ويجعل في حبله حتى جمع حزمة وربطها ، وجاء يطلب الدابة ليحمل عليها الحطب ، فوجد السبع قد افترسها ، فجعل يده في رقبة السبع وقال له يا كلب وحقّ سيدي لأحملنك الحطب كما تعديت على دابتي ، فحمل على ظهره الحطب وجعل يقوده وهو طائع لأمره حتى وصل إلى دار أمه ، فقرع عليها الباب فقالت : من بالباب ؟ فقال ولدك الفقير إلى رحمة اللّه ربّ الأرباب ، ففتحت له ، فلما رأت الحطب على ظهر الأسد ، قالت يا بنىّ ما هذا ؟ فحكى لها القصة ، فسرّت بذلك وعلمت أن اللّه جلّ جلاله قد عنى به واصطفاه لخدمته ، فقالت له أما الآن يا بنىّ فقد صلحت لخدمة الملوك ، اذهب فقد وهبتك للّه عزّ وجلّ وأنت وديعتي إياه ، فودّعها وشيعته بالدعاء ، ثم أنشأت تقول :
جعل الرضا لسباقه ميدانا * فجرى وأطلق من يديه عنانا
فتقدّم السباق في غسق الدجى * يطوى القفار ويطلب الأوطانا
هجر الخلائق والعلائق في رضا * محبوبه وتجنب الإخوانا
شرب الظما حتى تعطش قلبه فغدا * وراح من بعد الظما ريانا
رضى اللّه تعالى عنهما ونفعنا بهم وجميع الصالحين .
( الحكاية السادسة والسبعون بعد الأربع مئة عن ذي النون المصري رضى اللّه تعالى عنه )
قال : كنت في البادية قاصدا مكة ، فغلبنى العطش ، فملت إلى حىّ بنى مخزوم ، فرأيت جارية صغيرة حسناء جميلة وهي تترنم بالأشعار ، فعجبت منها لصدور ذلك عنها وهي من جملة الصغار ، فقلت لها : يا هذه الجارية أما فيك حياء ؟ فقالت يا ذا النون ، إني شربت البارحة بكأس الحب