لما يرجون عنده من الرغائب ، صحبوا الدنيا بالأشجان وتنعموا فيها بطول الأحزان ، فما نظروا إليها بعين راغب ، وما تزودوا منها إلا كزاد الراكب ؟ خافوا البيات فأسرعوا ، ورجوا النجاة فأزمعوا ، وبذلوا مهج نفوسهم في رضا سيدهم ، ونصبوا الآخرة نصب أعينهم ، وأصغوا إليها بآذان قلوبهم ، فلو رأيتم لرأيت قوما ذبلا شفاههم خمصا بطونهم ، حزينة قلوبهم ، ناحلة أجسادهم ، باكية أعينهم ، لم يصحبوا التعليل والتسويف ، وقنعوا من الدنيا بقوت طفيف ، لبسوا من اللباس أطمارا بالية ، وسكنوا من البلاد قفرا خالية ، هربوا من الأوطان ، واستبدلوا الوحدة من الأخدان ، فلو رأيتهم لرأيت قوما قد ذبحهم الليل بسكاكين السهر ، وفصل أعضاءهم بخناجر التعب ، خمص البطون لطول السرى ، شعث الرؤوس لفقد الكرى ، قد وصلوا الكلال بالكلال ، وتأهبوا للنقلة والارتحال ، رضى اللّه عنهم ، ونفعنا بهم آمين * قلت : وفي مثل هؤلاء الرجال أحسن الذي قال :
أنت بالصدق قد خبرت رجالا * قد أطالوا البكا إذا الليل طالا
وملأت القلوب منهم بنور * من نفيس اليقين يا من تعالى
وتوليتهم فكنت دليلا * وكسوت الجميع منهم جمالا
فإذا ما الظلام جن عليهم * وصلوا بالكلال منهم كلالا
عفروا بالتراب منهم وجوها * ذاك للّه خشية وابتهالا
هجرت للمنام منهم عيون * فاستطار المنام عنهم وزالا
إنما لذة البكا لمريد * أسلم الأهل والديار وجالا
خاضعا باكيا حزينا ينادى * يا كريما إذا استقيل أقالا
( الحكاية الثانية والعشرون بعد المئتين : عن سعيد بن أبي عروبة رضي اللّه عنه )
قال : حج الحجاج بن يوسف الثقفي فنزل في بعض المياه بين مكة والمدينة ، ودعا بالغداء وقال لحاجبه : انظر لي من يتغدى معي وأسأله عن بعض الأمر ، فنظر نحو الجبل فإذا هو بأعرابى بين شملتين نائم ، فضربه برجله وقال : ائت الأمير ، فأتاه فقال له الحجاج : اغسل يدك وتغد معي ، فقال : إنه قد دعاني من هو خير منك فأجبته ، قال ومن هو ؟ قال : اللّه تبارك وتعالى دعاني إلى الصوم فصمت ،