لونه ، فرجع إلى أهله مهموما أو قال محموما ، فلما كان الليل أتاه أبوه في المنام فقال : يا بنى أنت عندنا عن قريب والأمر بآخره ، والموت أقرب من ذلك ، فاستعد لسفرك ، وتأهب لرحيلك ، وحول جهازك من المنزل الذي أنت عنه ظاعن إلى المنزل الذي أنت فيه مقيم ، ولا تغتر بما اغتر به البطالون قبلك من طول آمالهم ، فقصروا في أمر معادهم ، فندموا عند الموت أشد الندامة ، وأسفوا على تضييع أعمارهم أشد الأسف ، فلا الندامة عند الموت تنفعهم ، ولا الأسف على التقصير أنقذهم من شر ما نالهم ، وشدة ما هالهم ، ثم قال : يا بنى بادر ثم بادر ثم بادر ، فأصبح الفتى وقال : ما أظن هذا الأمر إلا قد أظلنى ، فأدى دينه ، ولم يزل يقسم ويعطى ويتصدق إلى أن كان اليوم الثالث من صبيحة الرؤيا ، فدعا أهله وولده فودعهم ، وسلم عليهم ، ثم استقبل القبلة وتشهد شهادة الحق ثم مات رحمه اللّه تعالى ، فكان الناس يزورون قبورهم ويتوسلون بهم إلى اللّه تعالى في قضاء حوائجهم فتقضى ، رضى اللّه تعالى عنهم ونفعنا بهم آمين .
( الحكاية الرابعة عشرة بعد المئتين : عن أبي القاسم الجنيد رضي اللّه عنه )
قال :
دخلت الكوفة في بعض أسفارى ، فرأيت دارا لبعض الرؤساء وقد شف عليها النعيم وعلى بابها عبيد وغلمان ، وفي بعض رواشنها جارية تغنى وهي تقول :
ألا يا دارا لا يدخلك حزن * ولا يعبث بساكنك الزمان
فنعم الدار أنت لكل ضيف * إذا ما الضيف أعوزه المكان
قال : ثم مررت بها بعد مدة فإذا الباب مسود والجميع مبدد ، وقد ظهر عليها كآبة الذل والهوان ، وأنشد لسان الحال :
ذهبت محاسنها وبان شجونها * والدهر لا يبقى مكانا سالما
فاستبدلت من أنسها بتوحش * ومن السرور بها عزاء راغما
قال : فسألت عن خبرها ، فقيل لي مات صاحبها فآل أمرها إلى ما ترى ، فقرعت الباب الذي كان لا يقرع فكلمتنى جارية بكلام ضعيف فقلت لها يا جارية أين بهجة هذا المكان وأين أنواره وأين شموسه وأقماره وأين قصاده وأين زواره ؟ فبكت ثم قالت يا شيخ كانوا فيه على سبيل العارية ثم نقلتهم