وأخرج رجل فقير درهما واحدا من درهمين لا يملك غيرهما طيبة به نفسه ، صار صاحب الدرهم الواحد أفضل من صاحب مائة ألف درهم » . قلت : ويؤيده قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « سبق درهم مائة ألف درهم » الحديث أخرجه الإمام أبو عبد الرحمن النسائي في سننه ، وإلى ذلك أشرت حيث قلت :
لئن كان للأموال فخر على الثرى * فللفقر فخر بالثريا معلق
وإن أنفق المثرى ألوفا عديدة * فدرهم أهل الفقر يا صاح يسبق
وأشرت أيضا إلى ذلك بأوضح من هذا حيث قلت :
روينا حديثا بالأسانيد مثبتا * وفي النسائي يلقاه من يتصفح
على مائة مع مثلها ألف مرة * لصاحب دنيا درهم الفقر يرجح
إذا جاد ذا من درهمين بواحد * ومن عرض مال ذاك في تلك يسمح
ويدلّ على فضل صدقة الفقير أيضا قوله تعالى
( وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ )
، وقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « أفضل الصدقة جهد المقل » . والأخبار في فضائلهم خارجة عن الحصر . ولنقتصر منها على هذا القدر .
وأما الآثار عن السلف الصالحين ، والأئمة العاملين رضى اللّه عنهم أجمعين ، فخارجة عن الحصر أيضا . وها أنا أذكر منها نبذة يسيرة محذوفة الأسانيد ، طلبا للاختصار ، وخوفا من الملل في الإكثار . * فعن الضحاك رضى اللّه عنه قال : من مرّ في السوق فرأى شيئا يشتهيه ، لا يقدر عليه فصبر واحتسب ، كان خيرا له من ألف دينار ينفقها كلها في سبيل اللّه تعالى * وعن أبي سليمان الدارانى رضي اللّه عنه قال : تنفس فقير دون شهوة لا يقدر عليها أفضل من عبادة غنىّ ألف عام * وعن إمام الورعين وعلم الزاهدين وسرّ العارفين أبى نصر بشر بن الحارث رضى اللّه عنه قال : العبادة من الفقير كعقد جوهر على جيد حسناء ، والعبادة من الغنىّ كشجرة خضراء على مزبلة . وقيل : ثياب الفقراء من الصوف الخشن والمرقعات والسواد إذا لبسها الزهاد كانت عليهم بهجة ، وإذا لبسها غيرهم كانت عليهم سمجة . * وعن ابن وهب رحمه اللّه قال : وقع حريق في حىّ مالك بن دينار ، فقال شباب الحىّ : منزل أبى يحيى