امتلأت بطنك من الطعام فنمت عن وردك ، فقال يحيى : إذا لا أشبع من طعام أبدا ، فقال إبليس نعوذ باللّه منه : وإذا لا أنصح أحدا أبدا * وأنشد بعضهم :
وكم من أكلة حرمت كثيرا * من الخيرات في طاعات مولى
ولذات بخلوات تجلى * بها المولى وقد ناجاه ليلا
* قلت : ذكر بعض المصنفين هذين البيتين بعد هذه الحكاية ، وليس ذلك مناسبا لحال يحيى عليه السّلام ، وإنما يناسب أكلا يورث تخمة تحرم أكلات بعدها ، كما يتفق لكثير من الناس ، ولكني أقول في هذا المعنى :
ولو كان النساء كمن ذكرنا * لفضلت النساء على الرجال
فلا التأنيث لاسم الشمس عيب * ولا التذكير فخر للهلال
( الحكاية الرابعة والتسعون بعد المئة عن يحيى بن زكريا عليهما السلام )
حكى عن يحيى بن زكريا عليه السّلام أنه شبع مرة من خبز شعير ، فنام عن حزبه تلك الليلة ، فأوحى اللّه تعالى إليه : يا يحيى هل وجدت دارا خيرا لك من دارى ، أو جوارا خيرا لك من جواري ؟ وعزتي وجلالي لو اطلعت في الفردوس اطلاعة لذاب جسمك ولزهقت نفسك اشتياقا إلى الفردوس ، ولو اطلعت في جهنم اطلاعة لبكيت الصديد بعد الدموع ، ولبست الحديد بعد المسوح * وأنشدوا :
اقنع بالقليل تحيا غنيا * إن من يطلب الكثير فقير
إن خبز الشعير بالماء والمل * ح لمن يطلب النجاة كثير
( الحكاية الخامسة والتسعون بعد المئة عن الجنيد )
حكى عن الجنيد رضي اللّه عنه قال : كنت في مسجد الجامع مرة ، فإذا برجل قد دخل إلينا وصلى ركعتين ، ثم امتد ناحية في المسجد وأشار إلىّ ، فلما جئته قال لي : يا أبا القاسم إنه قد حان لقاء اللّه تعالى ولقاء الأحباب ، فإذا فرغت من أمرى فسيدخل عليك شاب مغن ، فادفع إليه مرقعتى وعصاي وركوتى ، فقلت إلى مغن ؟ وكيف يكون ذلك ؟ قال إنه قد بلغ رتبة القيام بخدمة اللّه تعالى في مقامي ؛ قال الجنيد فلما قضى الرجل نحبه ، وفرغنا من مواراته إذا نحن بشاب مصرى قد دخل علينا وسلم وقال أين الوديعة يا أبا القاسم ، فقلت وكيف ذاك ؟ أخبرنا