تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . ) — صفحة 120

مساهمون:

ص١٢٠
ثم قال لي : امض وسلم عليه لعلى أتسلى بسلامك عليه ، وأبرد نارا على كبدي ، فأتيت الفتى وقلت له : بارك اللّه لأبيك فيك ، فقال يا عم وأين أبى ، إن أبى قد خرج فارا إلى اللّه تعالى ليتني أراه ولو مرة واحدة وتخرج نفسي عند ذلك ، هيهات هيات ، وخنقته العبرة وقال : واللّه أود لو أنى رأيته وأموت في مكاني ، ثم بكى وأنشد يقول :
لقد حكم الزمان على حتى * برانى في هواك كما تراني حبيبي إن بعدت فإن قلبي * على مر الزمان إليك دانى وإن بعدت ديارك عن ديارى * فشخصك ليس يبرح عن عيانى لقد أسكنت حبك في فؤادي * مكانا ليس يعرفه جناني كأنك قد ختمت على ضميري * فغيرك لا يمر على لساني
قال : ثم رجعت إلى إبراهيم وهو ساجد في المقام ، وقد بل الحصى بدموعه وهو يتضرع إلى اللّه تعالى ويبكى ويقول :
هجرت الخلق طرا في هواكا * وأيتمت العيال لكي أراك فلو قطعتني في الحب أربا * لما سكن الفؤاد إلى سواكا
قال : فقلت له : ادع له ، فقال : حجبه اللّه عن معاصيه ، وأعانه على ما يرضيه

( الحكاية السادسة والثمانون : عن الشيخ أبى بكر الدقاق رضي اللّه عنه )

قال : بقيت بمكة عشرين سنة ، وكنت أشتهي اللبن ، فغلبتني نفسي ، فخرجت إلى عسفان ، فاستضفت حيا من أحياء العرب ، فوقعت عيني على جارية حسناء أخذت بقلبي ، فقالت : يا شيخ لو كنت صادقا لذهبت عنك شهوة اللبن ، فرجعت إلى مكة ، وطفت بالبيت ، فرأيت في منامي يوسف الصديق صلّى اللّه عليه وسلم ، فقلت له : يا نبي اللّه أقر اللّه عينك بسلامتك من زليخا ، فقال لي : يا مبارك بل أنت أقر اللّه عينك بسلامتك من العسفانية ، ثم تلا يوسف صلّى اللّه عليه وسلم
( وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ )
بصوت رخيم ، أنشدوا :
وأنت إذا أرسلت طرفك رائدا * لقلبك يوما أتعبتك المناظر رأيت الذي لا كله أنت قادر * عليه ولا عن بعضه أنت صابر