ولقد رأيت في أيام الشباب في أثناء قراءة سورة « تبارك ، الملك » بعد أن غطى على عيني شيء مثل السنة شيخا معه جماعة من الفقراء ، ونور من الصلاح لائح في وجهه ، فحرّضني على السير ثم قال : فإذا أشكل عليك شيء فعليك بالكتاب والسّنة .
ومن كلام الشيخ عدي المذكور رضي اللّه عنه :
الشيخ : من جمعك في حضورك ، وحفظك في بعدك ، وهذّبك بأخلاقه ، وأدّبك بإطراقه ، وأنار باطنك بإشراقه .
والمريد : من أنار نوره مع الفقراء بالأنس والانبساط ، ومع الصوفية بالآداب والارتباط ، ومع المشايخ بالخدمة والاغتباط ، ومع العارفين بالتواضع والانحطاط .
وحسن الخلق مع الخلق معاملة كل شخص بما يؤنسه ولا يوحشه ، فمع العلماء بحسن الاستماع والافتقار ، ومع أهل المعرفة بالسكون والانتظار ، ومع أهل المقامات بالتوحيد والانكسار .
عن قطب الأولياء الأكابر محيي الدين عبد القادر أنه قال : لو كانت النبوة تنال بالمجاهدة لنالها الشيخ عدي بن مسافر .
وكان يذكره ويثني عليه كثيرا ، ويشهد له بالسلطنة ، رضوان اللّه عليهم أجمعين .
الحكاية الرابعة والعشرون
عن الشيخ قيس بن يونس الشامي قال : أتى رجل مغربيّ اسمه عبد الرحمن بن أحمد بن الشيخ علي بن وهب المذكور ، السنجاري بسبيكة ذهب ، وقال : يا سيدي ، هذه للفقراء من صنعي ، فقال الشيخ لمن حضره : من عنده آنية من النحاس فليأتيني بها ، فأتوا بأواني كثيرة من النحاس من الطاسات والأطباق ، وأمر بها فجعلت لوسط الزاوية ، وقام ومشى عليها فصار بعضها ذهبا وبعضها فضة ، إلا طاسين فقال الشيخ لأصحاب الآنية : من له إناء فليأخذه ، فأخذوها ذهبا وفضة ، ثم قال لعبد الرحمن : يا بني إن اللّه تعالى قد أعطانا هذا كله ، وقد تركناه فلا حاجة لنا في سبيكتك ، فسألنا عن سبب اختلاف الأواني فقال : لما قلت : من عنده آنية فليأتيني بها ، فمن انبعث لكلامي ولم يجد في نفسه حرجا صارت آنيته ذهبا ، ومن وجد في نفسه بعض حرج صارت آنيته فضة ، ورجلان منهم أساء بي الظن فلم تتغيّر آنيتهما .
ومن قوله رضي اللّه عنه : من أحبّه الحق وأراده سكن في قلبه الإرادة ، فالمريد محبّ طالب ، والشوق