وقال أيضا رضي اللّه عنه : تفقّه ثم اعتزل ، من عبد اللّه بغير علم كان ما يفسده أكثر مما يصلحه ، خذ معك مصباح سراج ربك : « من عمل بما يعلم أورثه اللّه علم ما لم يعلم « 1 » » .
اقطع الأسباب عنك ، والأقسام أعطها ظهر قلبك بزهدك .
كن مقاطعا لما سواه ، منفصلا عن الأغيار والأسباب ، خائفا على انطفاء مصباحك .
أخلص لربك أربعين صباحا تنفجر ينابيع الحكم من قلبك على لسانك ، بينما هو كذلك إذ رأى نار الحق عز وجلّ كما رأى موسى عليه السلام نارا من بحر قلبه ، يقول لنفسه وهواه وشيطانه وطبعه وأسبابه ووجوده :
امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً
[ طه : 10 ] ، نودي القلب من السر : أنا ربك أنا اللّه فاعبدني ، لا تذل لغيري لا تتعلق بغيري « 2 » .
اعرفني واجهل غيري ، اتصل بي وانقطع عن غيري ، اطلبني وأعرض عن غيري إلى علمي إلى قربي إلى ملكي إلى سلطاني ، حتى إذا تمّ هذا لك وتمّ اللقاء ، وجرى ما جرى
فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى
[ النجم : 10 ] زالت الحجب ، وزالت الكدورة ، وسكنت النفس ، وجاءت الألطاف بالخطاب ،
اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ
[ النازعات : 17 ] ، يا قلب ارجع إلى النفس والهوى والشيطان عرفهم إليّ ، اهدهم إليّ
يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ
[ غافر : 38 ] « 3 » .
فقال أيضا رضي اللّه عنه : طارت نحل الأرواح قبل وجود الأشباح من كون ( كن ) ، فصاروا من التوحيد لترعى في زهر أشجار الأنس ، وتأكل من ثمار أغصان المعرفة ، وتتخذ بيوتا في مواطن القدس فوق قمم جبال الفرق ، فتسلك سبيل الدنو إلى ربها ، وحضرة العلوم في قربها ، وتجني ثمار الحضور بأيدي الهمم العالية ، فاصطادها صياد القدر بشباك مقام التكليف بيدي الأمر في أقفاص الأشباح ، فألقتها من الهياكل بهجة حسن المعتقد ، وألقت مسالك البشرية فتيممت موطنا من القدس الأشرف ، فأوحى ربك إلى نحل الأرواح :
فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا
هامش
( 1 ) رواه أبو نعيم في الحلية ( 10 / 15 ) .
( 2 ) انظر : قلائد الجواهر ( ص 281 ) بتحقيقنا .
( 3 ) انظر : بهجة الأسرار ( 106 ) .