الحكاية الثانية والستون بعد المائة
عن أبي سعيد عبد اللّه بن محمد بن عبد اللّه بن علي بن عمرون التميمي الشافعي رحمه اللّه تعالى قال : دخلت وأنا شابّ إلى بغداد في طلب العلم ، وكان ابن السقا يومئذ رفيقي في الاشتغال بالنظامية ، وكنا نتعبّد ونزور الصالحين ، وكان حينئذ رجل ببغداد يقال له : الغوث ، وكان يقال : إنه يظهر أحيانا ويختفي أحيانا .
فقصدت أنا وابن السقا والشيخ عبد القادر وهو شابّ يومئذ إلى زيارته ، فقال ابن السقا ونحن في الطريق : أسأله عن مسألة لا يدري لها جوابا ، فقلت : وأنا أسأله عن مسألة وأنظر ما يقول ، وقال الشيخ عبد القادر : معاذ اللّه أن أسأله شيئا ، أنا بين يديه أنتظر بركات رؤيته .
فلما دخلنا عليه لم نره في مكانه ، فمكثنا ساعة فإذا هو جالس ، فنظر إلى ابن السقا مغضبا وقال له : ويلك يا ابن السقا جئت تسألني عن مسألة لا أدري لها جوابا هي كذا جوابها كذا ، إني لأرى نار الكفر تلهب فيك ، ثم نظر إليّ وقال : يا عبد اللّه أتسألني عن مسألة لتنظر ما أقول فيها ، هي كذا وجوابها كذا ، لتجرين عليك الدنيا إلى شحمتي أذنيك لقاء أدبك ، ثم نظر إلى الشيخ عبد القادر وأدناه منه وأكرمه وقال : يا عبد القادر لقد أرضيت اللّه ورسوله بأدبك ، كأني أراك ببغداد ، وقد صعدت على الكرسي متكلما على الملأ ، وقلت : قدمي هذه على رقبة كل وليّ للّه ، وكأني أرى الأولياء في وقتك وقد حنوا رقابهم إجلالا لك ، ثم غاب عنا لوقته ذلك فلم نره بعد .
قال : فأما الشيخ عبد القادر فإنه ظهرت عليه أمارات قربه من اللّه عز وجلّ ، أجمع عليه الخاص والعام ، وقال : قدمي هذه على رقبة كل وليّ للّه تعالى « 1 » .
وأقرّ الأولياء له في وقته ، وأما ابن السقا فإنه اشتغل بالعلوم الشرعية حتى برع فيها ، وفاق بها كثيرا من أهل زمانه ، واشتهر بقطع من ناظره في جميع العلوم ، وكان ذا لسان فصيح ، وسمت بهيّ ، فأدناه الخليفة منه وبعثه رسولا إلى ملك الروم ، فرآه الملك ذا فنون كثيرة وفصاحة وسمت ، فأعجب به فجمع له القسيسين والعلماء بدين النصرانية ، وناظرهم فأفحمهم فعجزوا فعظم عند الملك ، ثم رأى بنتا للملك حسناء ففتن بها وسأله أباها أن
هامش
( 1 ) انظر : توجيه أهل العلم لذلك في المقدمة .