رجل واحدة ، ويدي في وتد مضروب في حائط خوف النوم ، حتى انتهي إلى آخر القرآن عند السحر .
وكنت ليلة طالعا في سلم فقالت لي نفسي : لو نمت ساعة ، فوقفت موضع ما خطر لي هذا وانتصبت على رجل واحدة ، واستفتحت القرآن حتى أتيت على آخره وأنا على هذه الحالة ، وكنت أمكث من الثلاثة أيام إلى الأربعين يوما ولا أجد ما أقتات به ، وكان النوم يأتيني في صورة فأصيح عليه فيذهب ، فتأتيني الدنيا وزخارفها وشهواتها في صور حسان وقباح فأصيح عليها فتفر هاربة .
وأقمت في البرج المسمّى الآن ببرج العجمي أحد عشر سنة ، فتطول إقامتي فيه حتى بقيت فيه مرة أربعين يوما لا آكل شيئا ، فبعد الأربعين جاء رجل ومعه خبز وطعام فوضعه بين يدي ومضى وتركني ، فكادت نفسي تقع على الطعام من شدة الجوع .
فقلت : واللّه لا حلت عما عاهدت اللّه تعالى عليه ، فسمعت صارخا من باطني ينادي الجوع ، فلم أرتع منه .
فاجتازني الشيخ أبو سعيد المخرمي فسمع الصارخ ، فدخل عليّ وقال لي : ما هذا يا عبد اللّه ، أو قال : يا عبد القادر ؟ فقلت : هذا قلق النفس ، فأما الروح فساكنة إلى ربها عز وجلّ فقال لي :
تعال إلى باب الأزج ، ومضى وتركني على حالي ، فقلت في نفسي : ما أخرج من هذا المكان ، فجاءني أبو العباس الخضر عليه السلام وقال : قم وانطلق إلى أبي سعيد ، فجئته فإذا هو واقف على باب داره ينتظرني ، وقال لي : يا عبد القادر ، ألم يكفيك قولي : تعال إليّ حتى أمرك الخضر بما أمرتك به ، ثم أدخلني داره فوجدت طعاما شهيّا ، فقعد يلقمني حتى شبعت ، ثم ألبسني الخرقة بيده ولازمت الاشتغال عليه .
وكنت قبل ذلك في سياحتي فأتاني شخص ما رأيته قبل ، فقال لي : هل لك في الصحبة ؟
قلت : نعم ، قال : بشرط ألا تخالفني ، قلت : نعم ، قال : اجلس هنا حتى آتيك ، وغاب عني سنة ثم عاد إليّ وقال : لا تبرح من مكانك حتى آتيك ، فغاب عني سنة أخرى ، ثم جاء وأنا في مكاني فجلس عندي ساعة ، ثم قام وقال : لا تبرح من مكانك حتى أعود ، ثم غاب عني سنة أخرى ثم عاد ومعه خبز ولبن ، فقال لي : أنا الخضر ، وقد أمرت أن آكل معك ، فأكلنا ثم قال :
قم فادخل بغداد ، فدخلنا جميعا . فقيل للشيخ : من أين كنت تقتات في مدة تلك السنين الثلاث ؟ قال : من المنبوذات « 1 » .
هامش
( 1 ) انظر : بهجة الأسرار ( ص 118 ) ، والقلائد ( ص 211 ) .