الحكاية الثانية والخمسون
عن الشيخ الأصيل إسماعيل ابن الشيخ الجليل أبي الفضائل سويد السنجاري قال :
سمعت أبي يقول : وشى بي عند سلطان سنجار فأمر بإحضاري ، فخاف عليه أصحابه ، فأطرق الشيخ ثم قال : لا بأس لا تخف إنا معك ، فلما وصل إلى باب دار السلطان أخذ السلطان قولنج عظيم ، فلما دخل الدهليز اشتدّ القولنج ، وغشي على السلطان ، وصاح نساؤه وأهله ، وما شكوا أن ذلك سبب إحضار الشيخ ، فجروا إليه وأكبّوا على قدميه معتذرين ، ورجع وزال القولنج لوقته .
ومما روي عن الشيخ المذكور رضي اللّه عنه أنه رأى رجلا يحدق إلى امرأة ذات هنّة ، فنهاه الشيخ فلم ينته وقال : اللهم خذ بصره ، فعمي الرجل بعد سبعة أيام ، ثم جاء إلى الشيخ وشكا من ظلمة العمى ، وأذعن بالتوبة ، وأكثر بذلك ، فبسط الشيخ يده وقال : اللهم رد عليه بصره إلا في معاصيك ، فرد اللّه عليه بصره في الحال ، فكان إذا أراد النظر إلى محرم حجب عنه بصره ثم يعود إليه .
وكان رضي اللّه عنه من أعيان الشيوخ العارفين ، أكابر المحققين ، صاحب المعارف الفاخرة ، والكرامات الظاهرة ، والمقامات العليّة ، والأحوال السنيّة ، والإشارات والتعريف والتمكين والتصريف ، انتهى إليه خلق كثير من الصلحاء ، وأجمع على تبجيله واحترامه المشايخ والعلماء .
ومن كلامه رضي اللّه عنه :
مقامات العارفين على سبعة أصول : القصد إلى اللّه تعالى في السرّ ، والاعتصام باللّه تعالى في الأمر ، والجلوس مع اللّه تعالى بالأدب ، والنصيحة لعباد اللّه تعالى في السرّ والجهر ، والكتم لأسرار اللّه تعالى في الطي والنشر ، وثبوت الحال مع الصبر ، وذكر لا إله اللّه الملك الحق المبين .
فإذا قطع العارف هذه الأحوال ، ورقي عن رؤيته الأفعال ، فتح اللّه له في القصد إليه بالسر باب النفس ، وعلامته أن يتروّح القلب إلى أنوار التجلّي ، ويتنفّس السرور وسراج الأنس في مشكاة الكشف ، وهذه النفس لا تكون إلا في حضرة الشهود بعد غيبة الأرواح في معارج الأحوال ، واستغراق الأسرار في مدارج روح القدس ، وحسم مادة الجهات وإيجاد العلم ، وذهاب الرسم .
وهذا أول ملابس العارفين ، وأول استرواح أنفاس أرواح التجلّي ، وهذا الزي لا تطفئ