وكنت كلما احتجت أكلت منها فتشبعني ، ولا أقدر على إنهائها ، فإذا رجعت ثانيا وجدتها صحيحة كأن لم يمسها أحد ، فلما وصلت إلى العراق تبقى على ما وصفت من حال أختها .
قلت : يعني أنه شبع منها ، ثم تعود صحيحة كما كانت كل حين مدة سفره .
وكان الشيخ أبو سعيد المذكور من أكابر العارفين المحققين ، صاحب المقامات العلية ، والمعارف الجليلة ، والسر السني ، والمشرب الهني ، والمكان المكين في المعالي ، والمعراج العالي في أحوال النهاية ، والطور الرفيع في منازل الولاية ، وهو أحد الفقهاء المعتبرين ، والعلماء المعنيين .
ومن كلامه رضي اللّه عنه :
التصوّف لأقوام أغلبوا حتى بسطوا ، وابتغوا في طلب الوصل حتى قيدوا ، ثم نودوا من أسرار قربه فقالوا : لبيك اللهم لبيك .
وحسن الإرادة الدخول في كل خلق سنيّ ، والخروج من كل وصف دنيّ ، ومراقبة الأحوال ، ولزوم الآداب في كل نفس ، والإقبال على اللّه تعالى بمحو الشرف ، وإسقاط التكلف .
والتوكّل : الثقة بالمضمون ، والقيام بالأوامر ، ومراعاة السر ، والتخلي من الكونين .
والتوحيد : غض الطرف من الأكوان بمشاهدة من هو منزّه عن كل نقصان .
الحكاية الثامنة والثلاثون
عن الشيخ عوض بن سلامة البغدادي - رحمه اللّه تعالى - « 1 » قال : أخبرنا الشيخ والدي قال : مررت بقرية الشيخ الباذراني فإذا جراد عظيمة سدّت الأفق من كثرتها ، يقدمها رجل راكب على جواده ، ينادي بأعلى صوته : لا إله إلا اللّه ، محمد رسول اللّه ، والجراد يتبعه حيث توجّه ، فخرج الشيخ مطر الباذراني رضي اللّه عنه « 2 » إلى ظاهر زاويته ونادى : يا جند اللّه ارجعي من حيث
هامش
( 1 ) هو أبو بكر بن محمد بن سلامة .
كان فقيها صوفيا صالحا ، ورعا زاهدا ، غلبت عليه العبادة والتنسك ، جامعا بين الطريقين ، وقدوة للفريقين .
وكان يحج بالناس فلا يقدر أحد من العرب أن يعترضهم بمكروه ، وبينه وبين الجبرتي صحبة وصداقة ، وكان يقول عنه أنه بلغ رتبة سهل التستري . مات سنة تسع وسبعمائة .
انظر : العقود اللؤلؤية ( 2 / 200 ) ، طبقات الخواص ( 176 ) ، والكواكب ( 591 ) .
( 2 ) انظر : قلائد الجواهر ( ص 347 ) ، وبهجة الأسرار ( ص 308 ) .