باستجماع المقامات له . ولهذا كان الإيمان نصفين : نصف صبر ، ونصف شكر . والصبر داخل في الشكر . فرجع الإيمان كله شكرا . والشاكرون هم أقل العباد ، كما قال تعالى :
وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ
[ سبإ : 13 ] .
ومقام « الحياء » جامع لمقام المعرفة والمراقبة .
ومقام « الأنس » جامع لمقام الحب مع القرب . فلو كان المحب بعيدا من محبوبه لم يأنس به . ولو كان قريبا من رجل ولم يحبه لم يأنس به ، حتى يجتمع له حبه مع القرب منه .
ومقام « الصدق » جامع للإخلاص والعزم . فباجتماعهما يصح له مقام الصدق .
ومقام « المراقبة » جامع للمعرفة مع الخشية . فبحسبهما يصح مقام المراقبة .
ومقام « الطمأنينة » جامع للإنابة والتوكل ، والتفويض والرضى والتسليم . فهو معنى ملتئم من هذه الأمور . إذا اجتمعت صار صاحبها صاحب طمأنينة . وما نقص منها نقص من الطمأنينة .
وكذلك « الرغبة » و « الرهبة » كل منهما ملتئم من « الرجاء » و « الخوف » والرجاء على الرغبة أغلب ، والخوف على الرهبة أغلب .
وكل مقام من هذه المقامات فالسالكون بالنسبة إليه نوعان : أبرار ، ومقربون . فالأبرار في أذياله ، والمقربون في ذروة سنامه . وهكذا مراتب الإيمان جميعها . وكل من النوعين لا يحصي تفاوتهم ، وتفاضل درجاتهم إلا اللّه .
وتقسيمهم ثلاثة أقسام - عام ، وخاص ، وخاص خاص - إنما نشأ من جعل الفناء غاية الطريق ، وعلم القوم الذي شمّروا إليه . وسنذكر ما في ذلك ، وأقسام الفناء ، محموده ومذمومه ، فاضله ومفضوله . فإن إشارة القوم إليه . إن شاء اللّه . ومدارهم عليه .
على أن الترتيب الذي يشير إليه كل مرتّب للمنازل لا يخلو عن تحكم ، ودعوى من غير مطابقة . فإن العبد إذا التزم عقد الإسلام ، ودخل فيه كله . فقد التزم لوازمه الظاهرة والباطنة ، ومقاماته وأحواله . وله في كل عقد من عقوده وواجب من واجباته أحوال ومقامات . لا يكون موفيا لذلك العقد والواجب إلا بها . وكلما وفّى واجبا أشرف على واجب آخر بعده . وكلما قطع منزلة استقبل أخرى .
وقد يعرض له أعلى المقامات والأحوال في أول بداية سيره . فينفتح عليه من حال المحبة والرضا والأنس والطمأنينة ما لم يحصل بعد لسالك في نهايته . ويحتاج هذا السالك في نهايته إلى أمور - من البصيرة ، والتوبة ، والمحاسبة - أعظم من حاجة صاحب البداية إليها . فليس في ذلك ترتيب كلي لازم للسلوك .
وقد ذكرنا أن التوبة - التي جعلوها من أول المقامات - هي غاية العارفين ، ونهاية أولياء اللّه المقربين . ولا ريب أن حاجتهم إلى المحاسبة في نهايتهم ، فوق حاجتهم إليها في بدايتهم .
فالأولى الكلام في هذه المقامات على طريقة المتقدمين من أئمة القوم كلاما مطلقا في كل مقام مقام ، ببيان حقيقته وموجبه ، وآفته المانعة من حصوله ، والقاطع عنه ، وذكر عامه وخاصه .
فكلام أئمة الطريق هو على هذا المنهاج ، فمن تأمله - كسهل بن عبد اللّه التستري ، وأبي طالب المكي ، والجنيد بن محمد ، وأبي عثمان النيسابوري ، ويحيى بن معاذ الرازي - وأرفع من