فإذا اطمأن إلى السابقة ، والحسنى التي سبقت له من اللّه في الأزل . كان هذا طمأنينة المقام إلى الأزل . وهذا هو شهود أهل البقاء بعد الفناء . واللّه أعلم .
منزلة الهمّة
ومن منازل
« إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ »
منزلة « الهمّة » .
وقد صدّرها صاحب المنازل بقوله تعالى
ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى
( 17 ) [ النّجم : 17 ] .
وقد تقدم : أنه صدّر بها باب « الأدب » وذكرنا وجهه .
وأما وجه تصدير « الهمة » بها : فهو الإشارة إلى أن همّته صلى اللّه عليه وسلم ما تعلقت بسوى مشهوده ، وما أقيم فيه . ولو تجاوزته همته : لتبعها بصره .
و « الهمّة » فعلة من الهمّ . وهو مبدأ الإرادة . ولكن خصّوها بنهاية الإرادة . فالهمّ مبدؤها .
والهمّة نهايتها .
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه اللّه - يقول : في بعض الآثار الإلهية يقول اللّه تعالى : « إني لا أنظر إلى كلام الحكيم . وإنما أنظر إلى همته » .
قال : والعامة تقول : قيمة كل امرئ ما يحسن . والخاصة تقول : قيمة كل امرئ ما يطلب . يريد : أن قيمة المرء همته ومطلبه .
قال صاحب المنازل :
« الهمة : ما يملك الانبعاث للمقصود صرفا . لا يتمالك صاحبها . ولا يلتفت عنها » .
قوله « يملك الانبعاث للمقصود » أي يستولي عليه كاستيلاء المالك على المملوك و « صرفا » أي خالصا صرفا .
والمراد : أن همة العبد إذا تعلقت بالحق تعالى طلبا صادقا خالصا محضا . فتلك هي الهمة العالية ، التي « لا يتمالك صاحبها » أي لا يقدر على المهلة . ولا يتمالك صبره . لغلبة سلطانه عليه . وشدة إلزامها إياه بطلب المقصود « ولا يلتفت عنها » إلى ما سوى أحكامها . وصاحب هذه الهمة : سريع وصوله وظفره بمطلوبه . ما لم تعقه العوائق ، وتقطعه العلائق . واللّه أعلم .
درجات الهمة
قال : « وهي على ثلاث درجات : الدرجة الأولى : همة تصون القلب عن وحشة الرغبة في الفاني ، وتحمله على الرغبة في الباقي ، وتصفيه من كدر التواني »
« الفاني » الدنيا وما عليها . أي يزهد القلب فيها وفي أهلها . وسمى الرغبة فيها « وحشة » لأنها وأهلها توحش قلوب الراغبين فيها ، وقلوب الزاهدين فيها .
أما الراغبون فيها : فأرواحهم وقلوبهم في وحشة من أجسامهم . إذ فاتها ما خلقت له . فهي في وحشة لفواته .
وأما الزاهدون فيها : فإنهم يرونها موحشة لهم . لأنها تحول بينهم وبين مطلوبهم ومحبوبهم . ولا شيء أوحش عند القلب مما يحول بينه وبين مطلوبه ومحبوبه . ولذلك كان من