والثاني : أن يكون من السر ، أي فراسة متعلقة بالأسرار ، لا بالظواهر ، فتكون سرية بوزن شريبة ومكيثة .
قوله « لم تجتلبها رويّة » أي لا تكون عن فكرة ، بل تهجم على القلب هجوما لا يعرف سببه .
قوله « على لسان مصطنع » أي مختار مصطفى على غيره .
« تصريحا أو رمزا » .
يعني أن هذا المختار المصطفى يخبر بهذه الفراسة العالية عن أمور مغيبة ، تارة بالتصريح .
وتارة بالتلويح ، إما سترا لحاله ، وإما صيانة لما أخبر به عن الابتذال ، ووصوله إلى غير أهله .
وإما لغير ذلك من الأسباب . واللّه سبحانه وتعالى أعلم .
منزلة التعظيم
ومن منازل
« إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ »
منزلة « التعظيم » .
وهذه المنزلة تابعة للمعرفة . فعلى قدر المعرفة يكون تعظيم الرب تعالى في القلب .
وأعرف الناس به أشدهم له تعظيما وإجلالا ، وقد ذم اللّه تعالى من لم يعظمه حق عظمته ، ولا عرفه حق معرفته ، ولا وصفه حق صفته ، وأقوالهم تدور على هذا . فقال تعالى :
ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً
[ نوح : 13 ] قال ابن عباس ومجاهد : لا ترجون للّه عظمة . وقال سعيد بن جبير : ما لكم لا تعظمون اللّه حق عظمته ؟ وقال الكلبي : لا تخافون للّه عظمة .
قال البغوي : « والرجاء » بمعنى المخوف ، و « الوقار » العظمة ، اسم من التوقير ، وهو التعظيم . وقال الحسن : لا تعرفون للّه حقا ، ولا تشكرون له نعمة .
وقال ابن كيسان : لا ترجون في عبادة اللّه أن يثيبكم على توقيركم إياه خيرا .
وروح العبادة : هو الإجلال والمحبة ، فإذا تخلى أحدهما عن الآخر فسدت ، فإذا اقترن بهذين الثناء على المحبوب المعظم . فذلك حقيقة الحمد . واللّه سبحانه أعلم .
درجات التعظيم
قال صاحب المنازل رحمه اللّه :
« التعظيم : معرفة العظمة ، مع التذلل لها . وهو على ثلاث درجات . الدرجة الأولى :
تعظيم الأمر والنهي ، وهو أن لا يعارضا بترخص جاف . ولا يعرّضا لتشدد غال ، ولا يحملا على علة توهن الانقياد .
ههنا ثلاثة أشياء ، تنافي تعظيم الأمر والنهي :
أحدها : الترخص الذي يجفو بصاحبه عن كمال الامتثال .
والثاني : الغلو الذي يتجاوز بصاحبه حدود الأمر والنهي .
فالأول : تفريط . والثاني إفراط .
وما أمر اللّه بأمر إلا وللشيطان فيه نزعتان : إما إلى تفريط وإضاعة ، وإما إلى إفراط وغلو .
ودين اللّه وسط بين الجافي عنه والغالي فيه . كالوادي بين جبلين ، والهدى بين ضلالتين . والوسط