تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 547

مساهمون:

ص٥٤٧
الجميل ، ولا يظهر لهم ما يكرهه هو من غيره لنفسه ، وليتخذ الناس مرآة لنفسه . فكل ما كرهه ونفر عنه ، من قول أو فعل أو خلق ، فليجتنبه ، وما أحبه من ذلك واستحسنه فليفعله . وصاحب هذه البصيرة ينتفع بكل من خالطه وصاحبه من كامل وناقص ، وسيىء الخلق وحسنه . وعديم المروءة وغزيرها . وكثير من الناس : يتعلم المروءة ، ومكارم الأخلاق من الموصوفين بأضدادها كما روى بعض الأكابر : أنه كان له مملوك سيىء الخلق ، فظّ غليظ . لا يناسبه فسئل عن ذلك ؟ فقال : أدرس عليه مكارم الأخلاق . وهذا يكون بمعرفة مكارم الأخلاق في ضد أخلاقه . ويكون بتمرين النفس على مصاحبته ومعاشرته ، والصبر عليه . الدرجة الثالثة : المروءة مع الحق سبحانه . بالاستحياء من نظره إليك واطلاعه عليك في كل لحظة ونفس ، وإصلاح عيوب نفسك جهد الإمكان فإنه قد اشتراها منك ، وأنت ساع في تسليم المبيع ، وتقاضي الثمن ، وليس من المروءة : تسليمه على ما فيه من العيوب ، وتقاضي الثمن كاملا ، أو رؤية منّته في هذا الإصلاح ، وأنه هو المتولي له لا أنت ، فيغنيك الحياء منه عن رسوم الطبيعة ، والاشتغال بإصلاح عيوب نفسك عن التفاتك إلى عيب غيرك ، وشهود الحقيقة عن رؤية فعلك وصلاحك . وكل ما تقدم في منزلة « الخلق » و « الفتوّة » فإنه بعينه في هذه المسألة . فلذلك اقتصرنا منها على هذا القدر . وصاحب المنازل - رحمه اللّه - استغنى بما ذكر في الفتوّة . واللّه أعلم .

منزلة البسط

ومن منازل
« إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ »
منزلة « البسط والتخلي عن القبض » . وهي منزلة شريفة لطيفة . وهي عنوان على الحال ، وداعية لمحبة الخلق . وقد غلط صاحب المنازل حيث صدرها بقوله تعالى ، حاكيا عن كليمه موسى عليه الصلاة والسلام :
إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ
[ الأعراف : 155 ] وكأنه فهم من هذا الخطاب : انبساطا بين موسى وبين اللّه تعالى حمله على أن قال :
إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ
[ الأعراف : 155 ] . وسمعت بعض الصوفية يقول لآخر - وهما في الطواف - لما قال :
إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ
[ الأعراف : 155 ] تدارك هذا الانبساط بالتذلل بقوله :
أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ
[ الأعراف : 155 ] أو نحو من هذا الكلام . وكل هذا وهم . وفهم خلاف المقصود ، فالفتنة ههنا هي الامتحان والاختبار . كقوله تعالى :
وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا
[ الأنعام : 53 ] وقوله :
وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً ( 16 ) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ
[ الجنّ : 16 ، 17 ] . وقوله :
وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً
[ الأنبياء : 35 ] . والمعنى : أن هذه الفتنة اختبار منك لعبدك ، وامتحان تضل بها من تشاء ، وتهدي من