وهذه منزلة شريفة ، لم تعبر عنها الشريعة باسم « الفتوّة » بل عبرت عنها باسم « مكارم الأخلاق » كما في حديث يوسف بن محمد بن المنكدر عن أبيه عن جابر رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم « إن اللّه بعثني لأتمم مكارم الأخلاق ، ومحاسن الأفعال » .
وأصل « الفتوّة » من « الفتى » وهو الشاب الحديث السن . قال اللّه تعالى عن أهل الكهف :
إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً
[ الكهف : 13 ] وقال عن قوم إبراهيم : إنهم
قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ
[ الأنبياء : 60 ] وقال تعالى عن يوسف :
وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ
[ يوسف : 36 ]
وَقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ
[ يوسف : 62 ] .
فاسم « الفتى » لا يشعر بمدح ولا ذم ، كاسم الشاب والحدث « 1 » ، ولذلك لم يجئ اسم « الفتوّة » في القرآن ولا في السنة ولا في لسان السلف ، وإنما استعمله من بعدهم في مكارم الأخلاق .
وأصلها عندهم : أن يكون العبد أبدا في أمر غيره .
وأقدم من علمته تكلم في « الفتوّة » جعفر بن محمد . ثم الفضيل بن عياض . والإمام أحمد ، وسهل بن عبد اللّه ، والجنيد ، ثم الطائفة .
فيذكر أن جعفر بن محمد سئل عن الفتوة ؟ فقال للسائل : ما تقول أنت ؟ فقال : إن أعطيت شكرت ، وإن منعت صبرت . فقال : الكلاب عندنا كذلك . فقال السائل : يا بن رسول اللّه فما الفتوّة عندكم ؟ فقال : إن أعطينا آثرنا ، وإن منعنا شكرنا « 2 » .
وقال الفضيل بن عياض : الفتوّة الصفح عن عثرات الإخوان .
وقال الإمام أحمد رضي اللّه عنه - في رواية ابنه عبد اللّه - عنه ، وقد سئل عن الفتوّة ؟
فقال : ترك ما تهوى لما تخشى .
ولا أعلم لأحد من الأئمة الأربعة فيها سواه .
وسئل الجنيد عن الفتوّة ؟ فقال : لا تنافر فقيرا ، ولا تعارض غنيا .
وقال الحارث المحاسبي : الفتوّة أن تنصف ولا تنتصف .
وقال عمر بن عثمان المكي : الفتوّة حسن الخلق .
وقال محمد بن علي الترمذي : الفتوّة أن تكون خصما لربك على نفسك .
هامش
( 1 ) بل هو مشعر بنقص . فإن قولهم لإبراهيم « فتى » يريدون تحقير شأنه ، وتهوين أمره ، شأن كل من يمقت إنسانا . كمقتهم وعداوتهم لإبراهيم . والفتيان اللذان دخلا السجن مع يوسف كانا خادمين للملك . وفتية الكهف كانوا مستضعفين في قومهم . وإنما لم تجىء « الفتوة » في القرآن ولا في السنة ولا على لسان السلف : لأنها كغيرها - من مصطلحات الصوفية التي لا تجري مع نص ولا دليل شرعي . وإنما هي محدثات بالأهواء العمياء الصماء . أحدثها شيوخ الصوفية حين تعددت فرقهم ، واشتد تنافسهم وتحاسدهم . فاتخذ كل واحد جماعة منتقاة من الشباب الشطار ، القوي المجازف يحمون الشيخ ، ويكونون له كجند ينفذون ما يأمرهم به في غير مبالاة ولا تهيب . فيخافهم الآخرون . ويكون شيخهم مهابا . وهم المعروفون في الشام بالقبضاية . وفي الحجاز بأولاد الحارة . وفي مصر الفتوات .
( 2 ) لعل هذا مما تقوله الشيعة على جعفر رضي اللّه عنه .