فدل على أن من الخلق : ما هو طبيعة وجبلة ، وما هو مكتسب . وكان النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول في دعاء الاستفتاح : « اللهم اهدني لأحسن الأخلاق . لا يهدي لأحسنها إلا أنت ، واصرف عني سيئها ، لا يصرف عني سيئها إلا أنت » فذكر الكسب والقدر . واللّه أعلم .
الخلق ما يرجع إليه المتكلف من نعته
قال صاحب المنازل .
« الخلق : ما يرجع إليه المتكلف من نعمته » .
أي خلق كل متكلف : فهو ما اشتملت عليه نعوته . فتكلفه يرده إلى خلقه . كما قيل :
إن التخلق يأتي دونه الخلق
وقال الآخر :
يراد من القلب نسيانكم * وتأبى الطباع على الناقل
فمتكلف ما ليس من نعته ولا شيمته : يرجع إلى شيمته ، ونعته ، وسجيته . فذاك الذي يرجع إليه : هو الخلق .
قال : « واجتمعت كلمة الناطقين في هذا العلم : أن التصوف « 1 » هو الخلق . وجميع الكلام فيه يدور على قطب واحد . وهو بذل المعروف ، وكف الأذى » .
قلت : من الناس من يجعلها ثلاثة : كف الأذى ، واحتمال الأذى ، وإيجاد الراحة .
ومنهم : من يجعلها اثنين - كما قال الشيخ - بذل المعروف ، وكف الأذى .
ومنهم من يردها إلى واحد . وهو بذل المعروف . والكل صحيح .
قال « وإنما يدرك إمكان ذلك في ثلاثة أشياء : في العلم ، والجود ، والصبر » .
ف « العلم » يرشده إلى مواقع بذل المعروف ، والفرق بينه وبين المنكر ، وترتيبه في وضعه مواضعه . فلا يضع الغضب موضع الحلم . ولا بالعكس ، ولا الإمساك موضع البذل ، ولا بالعكس . بل يعرف مواقع الخير والشر ومراتبها ، وموضع كل خلق : أين يضعه ، وأين يحسن استعماله .
و « الجود » يبعثه على المسامحة بحقوق نفسه ، والاستقصاء منها بحقوق غيره . فالجود هو قائد جيوش الخير .
هامش
( 1 ) كلمة « تصوف » وصنوها كلمة « فلسفة » هما لشيء أحد . واللفظة كانت معروفة قبل العرب بآلاف السنين .
فضلا عن الإسلام . ومعناها : البحث عن الحقيقة الأولى التي خرجت منها الأشياء . وعلى أساس ذلك قام التصوف ، أي على أنه معرفة حقيقة مبدأ الكون - أو الحقيقة الإلهية - وسارت مرة باسم الفلسفة ، ومرة باسم التصوف . ومرة بأسماء أخرى . تجتمع كلها عند نقطة واحدة هي أن الحقيقة الإلهية - بزعمهم الضال - هي الخلية والمادة الأولى ، والنواة التي نبت منها كل هذا الوجود . فكل محاولة لإلباس « التصوف » غير ثوبه الحقيقي ، وإظهاره بألوان أخرى . فهي إنما تروج على الذين لم يدرسوا الصوفية من منشئها الأول يوم قام إمامهم وشيخهم يقول :أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ *وصدق اللّه ربيوَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًافتأمل جيدا . ومخلصا وخالصا من التقليد تفهم وتعرف . واللّه الموفق .