خضعت له بلا محبة ، لم تكن عابدا له ، حتى تكون محبا خاضعا . ومن ههنا كان المنكرون محبة العباد لربهم منكرين حقيقة العبودية ، والمنكرون لكونه محبوبا لهم . بل هو غاية مطلوبهم - ووجهه الأعلى نهاية بغيتهم - : منكرين لكونه إلها ، وإن أقروا بكونه ربا للعالمين وخالقا لهم .
فهذا غاية توحيدهم . وهو توحيد الربوبية ، الذي اعترف به مشركو العرب ، ولم يخرجوا به عن الشرك ، كما قال تعالى :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ
[ الزّخرف : 87 ] وقال تعالى :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ
[ الزّمر : 38 ]
قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 84 ) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ( 85 ) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ( 86 ) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَ فَلا تَتَّقُونَ ( 87 ) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 88 ) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ
( 89 ) [ المؤمنون : 84 ، 89 ] ولهذا يحتج عليهم به على توحيد إلهيته ، وأنه لا ينبغي أن يعبد غيره ، كما أنه لا خالق غيره ، ولا رب سواه .
و « الاستعانة » تجمع أصلين : الثقة باللّه ، والاعتماد عليه . فإن العبد قد يثق بالواحد من الناس ، ولا يعتمد عليه في أموره - مع ثقته به - لاستغنائه عنه . وقد يعتمد عليه - مع عدم ثقته به - لحاجته إليه ، ولعدم من يقوم مقامه . فيحتاج إلى اعتماده عليه . مع أنه غير واثق به .
و « التوكل » معنى يلتئم من أصلين : من الثقة ، والاعتماد . وهو حقيقة « إياك نعبد وإياك نستعين » وهذان الأصلان - وهما التوكل ، والعبادة - قد ذكرا في القرآن في عدة مواضع ، قرن بينهما فيها . هذا أحدها .
الثاني : قول شعيب :
وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ
[ هود : 88 ] .
الثالث : قوله تعالى :
وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ
[ هود : 123 ] .
الرابع : قوله تعالى حكاية عن المؤمنين :
رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ
[ الممتحنة : 4 ] .
الخامس : قوله تعالى :
وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا ( 8 ) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا
( 9 ) [ المزمّل : 8 ، 9 ] .
السادس : قوله تعالى :
قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتابِ
[ الرّعد : 30 ] .
فهذه ستة مواضع يجمع فيها بين الأصلين . وهما
« إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ »
.
وتقديم « العبادة » على « الاستعانة » في الفاتحة من باب تقديم الغايات على الوسائل . إذ « العبادة » غاية العباد التي خلقوا لها ، و « الاستعانة » وسيلة إليها . ولأن
« إِيَّاكَ نَعْبُدُ »
متعلق بألوهيته واسمه « اللّه » و
« إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ »
متعلق بربوبيته واسمه « الرب » فقدم
« إِيَّاكَ نَعْبُدُ »
على
« إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ »
كما قدم اسم « اللّه » على « الرب » في أول السورة . ولأن
« إِيَّاكَ نَعْبُدُ »
قسم الرب . فكان من الشطر الأول ، الذي هو ثناء على اللّه تعالى ، لكونه أولى به . و
« إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ »
قسم العبد . فكان من الشطر الذي له ، وهو
« اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ »
إلى آخر السورة .
ولأن « العبادة » المطلقة : تتضمن « الاستعانة » من غير عكس . فكل عابد للّه عبودية تامة :
مستعين به ولا ينعكس . لأن صاحب الأغراض والشهوات قد يستعين به على شهواته . فكانت العبادة أكمل وأتم . ولهذا كانت قسم الرب .