قال : « الشرط الثالث : الخلاص من المسألة للخلق والإلحاح » .
وذلك : لأن المسألة : فيها ضرب من الخصومة ، والمنازعة والمحاربة ، والرجوع عن مالك الضر والنفع إلى من لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا إلا بربه ، وفيها الغيبة عن المعطي المانع .
والإلحاح ينافي حال الرضى ووصفه . وقد أثنى اللّه سبحانه على الذين لا يسألون الناس إلحافا . فقال تعالى :
يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً
[ البقرة : 273 ] .
فقالت طائفة : يسألون الناس ما تدعو حاجتهم إلى سؤاله . ولكن لا يلحفون ، فنفى اللّه عنهم سؤال الإلحاف ، لا مطلق السؤال .
قال ابن عباس : إذا كان عنده غداء لم يسأل عشاء . وإذا كان عنده عشاء لم يسأل غداء .
وقالت طائفة - منهم الزجاج ، والفراء وغيرهما - بل الآية اقتضت ترك السؤال مطلقا .
لأنهم وصفوا بالتعفف ، والمعرفة بسيماهم ، دون الإفصاح بالمسألة . لأنهم لو أفصحوا بالسؤال لم يحسبهم الجاهل أغنياء .
ثم اختلفوا في وجه قوله تعالى :
« لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً
[ البقرة : 273 ] » .
فقال الزجاج : المعنى لا يكون منهم سؤال ، فيقع إلحاف . كما قال تعالى :
« فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ
( 48 ) [ المدّثّر : 48 ] أي لا تكون شفاعة فتنفع . وكما في قوله :
وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ
[ البقرة : 123 ] أي لا يكون عدل فيقبل ، ونظائره . قال امرؤ القيس :
على لاحب لا يهتدى لمناره « 1 »
أي ليس له منار يهتدى به . قال ابن الأنباري ، وتأويل الآية : لا يسألون البتة . فيخرجهم السؤال في بعض الأوقات إلى الإلحاف ، فيجري هذا مجرى قولك : فلان لا يرجى خيره . أي ليس له خير فيرجى .
وقال أبو علي : لم يثبت في هذه الآية مسألة منهم . لأن المعنى : ليس منهم مسألة ، فيكون منهم إلحاف . قال : ومثل ذلك قول الشاعر :
لا يفزع الأرنب أهوالها * ولا ترى الضّبّ بها ينجحر
أي ليس بها أرنب فتفزع لهولها ، ولا ضب فينجحر .
وقال الفراء : نفى الإلحاف عنهم . وهو يريد نفي جميع السؤال .
و « المسألة » في الأصل حرام .
وإنما أبيحت للحاجة والضرورة . لأنها ظلم في حق الربوبية . وظلم في حق المسؤول .
وظلم في حق السائل .
أما الأول : فلأنه بذل سؤاله وفقره وذلّه واستعطاءه لغير اللّه . وذلك نوع عبودية . فوضع المسألة في غير موضعها ، وأنزلها بغير أهلها ، وظلم توحيده وإخلاصه ، وفقره إلى اللّه ، وتوكله
هامش
( 1 ) اللاحب : الطريق الواسع الواضح .