وأما المفصل : فبمعرفة المذاهب الباطلة ، واشتمال كلمات الفاتحة على إبطالها . فنقول :
الناس قسمان : مقر بالحق تعالى ، وجاحد له . فتضمنت الفاتحة إثبات الخالق تعالى ، والرد على من جحده ، بإثبات ربوبيته تعالى للعالمين .
وتأمل حال العالم كله ، علوية وسفليه ، بجميع أجزائه : تجده شاهدا بإثبات صانعه وفاطره ومليكه . فإنكار صانعه وجحده في العقول والفطر بمنزلة إنكار العلم وجحده ، لا فرق بينهما ، بل دلالة الخالق على المخلوق ، والفعال على الفعل ، والصانع على أحوال المصنوع عند العقول الزكية المشرقة العلوية ، والفطر الصحيحة : أظهر من العكس .
فالعارفون أرباب البصائر يستدلون باللّه على أفعاله وصنعه ، إذا استدل الناس بصنعه وأفعاله عليه . ولا ريب أنهما طريقان صحيحان ، كل منهما حق والقرآن مشتمل عليهما .
فأما الاستدلال بالصنعة فكثير . وأما الاستدلال بالصانع فله شأن . وهو الذي أشارت إليه الرسل بقولهم لأممهم
أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ
[ إبراهيم : 10 ] أي أيشكّ في اللّه حتى يطلب إقامة الدليل على وجوده ؟ وأي دليل أصح وأظهر من هذا المدلول ؟ فكيف يستدل على الأظهر بالأخفى ؟ ثم نبهوا على الدليل بقولهم :
فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ إبراهيم : 10 ] .
وسمعت شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية - قدس اللّه روحه - يقول : كيف يطلب الدليل على من هو دليل على كل شيء ؟ وكان كثيرا ما يتمثل بهذا البيت :
وليس يصح في الأذهان شيء * إذا احتاج النهار إلى دليل
ومعلوم أن وجود الرب تعالى أظهر للعقول والفطر من وجود النهار ، ومن لم ير ذلك في عقله وفطرته فليتهمهما .
وإذا بطل قول هؤلاء بطل قول أهل الإلحاد ، القائلين بوحدة الوجود ، وأنه ما ثم وجود قديم خالق ووجود حادث مخلوق ، بل وجود هذا العالم هو عين وجود اللّه ، وهو حقيقة وجود هذا العالم . فليس عند القوم رب وعبد ، ولا مالك ومملوك ، ولا راحم ومرحوم ، ولا عابد ومعبود « 1 » ، ولا مستعين ومستعان به ، ولا هاد ولا مهدي ، ولا منعم ولا منعم عليه ، ولا غضبان ومغضوب عليه . بل الرب هو نفس العبد وحقيقته ، والمالك هو عين المملوك ، والراحم هو عين المرحوم ، والعابد هو نفس المعبود . وإنما التغاير أمر اعتباري بحسب مظاهر الذات وتجلياتها .
فتظهر تارة في صورة معبود ، كما ظهرت في صورة فرعون . وفي صورة عبد ، كما ظهرت في صورة العبيد ، وفي صورة هاد ، كما في صورة الأنبياء والرسل والعلماء . والكل من عين واحدة ، بل هو العين الواحدة ، فحقيقة العابد ووجوده ، أو إنّيته : هي حقيقة المعبود ووجوده وإنيته .
والفاتحة من أولها إلى آخرها تبين بطلان قول هؤلاء الملاحدة وضلالهم .
هامش
( 1 ) قال ابن عربي الحاتمي شيخ الصوفية ، الناطق بلسانهم :العبد رب والرب عبد * يا ليت شعري ، من المكلف ؟
إن قلت : عبد ، فذاك رب * أو قلت : رب ، أنى يكلف ؟