عدوان وإسراف . فلو كان كل من أخطأ أو غلط ترك جملة ، وأهدرت محاسنه ، لفسدت العلوم والصناعات ، والحكم ، وتعطلت معالمها .
والطائفة الثانية : حجبوا بما رأوه من محاسن القوم ، وصفاء قلوبهم ، وصحة عزائمهم ، وحسن معاملاتهم عن رؤية عيوب شطحاتهم ، ونقصانها . فسحبوا عليها ذيل المحاسن . وأجروا عليها حكم القبول والانتصار لها . واستظهروا بها في سلوكهم .
وهؤلاء أيضا معتدون مفرطون .
والطائفة الثالثة : - وهم أهل العدل والإنصاف - الذين أعطوا كل ذي حق حقه ، وأنزلوا كل ذي منزلة منزلته ، فلم يحكموا للصحيح بحكم السقيم المعلول ، ولا للمعلول السقيم بحكم الصحيح . بل قبلوا ما يقبل . وردوا ما يرد .
وهذه الشطحات ونحوها هي التي حذّر منها سادات القوم ، وذموا عاقبتها . وتبرؤوا منها ، حتى ذكر أبو القاسم القشيري في رسالته : أن أبا سليمان الداراني رئي بعد موته ، فقيل له : ما فعل اللّه بك ؟ فقال : غفر لي . وما كان شيء أضر عليّ من إشارات القوم .
وقال أبو القاسم : سمعت أبا سعيد الشّحّام يقول : رأيت أبا سهل الصعلوكي في المنام ، فقلت له : أيها الشيخ ، فقال : دع التشييخ . فقلت : وتلك الأحوال ؟ فقال : لم تغن عنا شيئا ، فقلت : ما فعل اللّه بك ؟ قال : غفر لي بمسائل كانت تسأل عنها العجائز .
وذكر عن الجريري : أنه رأى الجنيد في المنام بعد موته ، فقال : كيف حالك يا أبا القاسم ؟
فقال : طاحت تلك الإشارات . وفنيت تلك العبارات وما نفعنا إلا تسبيحات كنا نقولها بالغدوات .
وقال أبو سليمان الداراني : تعرض عليّ النكتة من نكت القوم . فلا أقبلها إلا بشاهدي عدل : الكتاب ، والسنة .
وقال الجنيد : مذهبنا مقيد بالكتاب والسنة . فمن لم يقرأ القرآن ، ويكتب الحديث ، لا يقتدى به في طريقنا « 1 » .
هذا إلى غير ذلك من الأقوال التي وردت عنهم رضي اللّه عنهم .
فأما قوله « الرجاء أضعف منازل المريدين » فليس كذلك ، بل هو من أجلّ منازلهم ، وأعلاها وأشرفها . وعليه وعلى الحب والخوف مدار السير إلى اللّه . وقد مدح اللّه تعالى أهله ،
هامش
- جاء بها القرآن والمرسلون . وترى كلامه كله قائم على أن ربهم هو النواة والمادة التي خرج ونبت منها الوجود . وأن أسماءه وصفاته هي هذا الوجود بمظاهره .وكل يدعي وصلا لليلى * وليلى لا تقر لهم بذاك( 1 ) وهل من السنة : فتح باب الإخبار عن الغيب ، والحكم بالجنة : بالمنامات الصوفية ، التي صارت هي كل أدلتهم وعمدتهم ؟ وكم للمشركين والنصارى من رؤى في دخول طواغيتهم الجنة ؟ وقد ثبت أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم غضب على أم العلاء ، حين مات عثمان بن مظعون رضي اللّه عنهم . فشهدت له بالجنة . فقال : « وما يدريك ؟ » وهذا عثمان بن مظعون من سادات السابقين الأولين المهاجرين ، وغفر اللّه للشيخ ابن القيم . فإنه حسن الظن بالصوفية إلى حد بعيد .